مسيرة النور… تجوب ربوع المملكة

عبدالرحيم ادبلقاسمنذ ساعتينآخر تحديث :
مسيرة النور… تجوب ربوع المملكة

المساء نيوز. – ليلى بهلولي

​من شمال المملكة إلى جنوبها تتزين المدن والقرى المغربية بحلل من النور والجمال مع انطلاق فعاليات مسيرة النور القرآنية السنوية، فهذه التظاهرة الروحية التي دأب المغاربة على إحيائها كل سنة تمثل إعلانا متجددا عن تشبث راسخ بكتاب الله وتجسيدا حيا لهوية دينية وثقافية تمتد جذورها لقرون خلت، وهكذا، تنبض ربوع المملكة المغربية كلما حل فصل الصيف بحركية إيمانية فريدة لتنسج هذه المسيرة خيوطا من الضياء تربط أرجاء الوطن برباط روحي وثيق وتحظى بمكانة دينية واجتماعية رفيعة تنفرد بها المملكة في محيطها الإقليمي والدولي، مكرسة عهدا يقطعه المغاربة على أنفسهم بالصون الدائم لهويتهم الأصيلة الضاربة في أعماق التاريخ.
​وتتبدى جمالية هذه التظاهرة الروحية في تلك الجغرافية المتنوعة التي تصدح بالذكر الحكيم فمن الشمال المغربي الشامخ مرورا بمدن الشرق كوجدة والناظور وصولا إلى الحواضر الكبرى كالدار البيضاء وعاصمة المملكة الرباط، وجارتها المدينة الأثرية سلا، وامتدادا إلى مدن الجنوب والوسط يسري صدى الترتيل ليبلغ أبعد القرى والأرياف المغربية التي لطالما شكلت الحصن الحصين للكتاتيب القرآنية، ومأوى لطلبة العلم الشرعي، وفي هذه المحافل المهيبة تتوحد الصفوف ليقف المشاهد مستمتعا بأجواء العرس القرآني البهيج مستحضرا أعراف تاريخية عريقة تعرف ب”سلطان الطلبة” و”حفل الختمة” للمدارس العتيقة وحفاظ كتاب الله.
​وفي غمرة هذه الأجواء الربانية تتجلى لوحات إنسانية تسر الناظرين إذ ينساب الأطفال والشباب في مواكب بهيجة يجوبون شوارع المدن والقرى حاملين بين أيديهم ألواحا خشبية زينت بآيات بينات كتبت بمداد “السمق” التقليدي كرمز حي لوفائهم لأدوات التحصيل التراثية الأصيلة وتكتمل فصول هذا المشهد المهيب بمشاركة الفتيات اللواتي يرتدين الجلابة المغربية التقليدية بكل حشمة وبهاء متوجات “بتاج الوقار” الذي يرمز لرفيع مقامهن الاجتماعي، بينما يتطوع الفرسان لامتطاء صهوات الجياد وسط زغاريد الأمهات وفخر الآباء والساكنة، في وقت يرتفع فيه العلم الوطني المغربي خفاقا ليعكس التلاحم الوطيد بين قيم العقيدة الصادقة والروح الوطنية الحقة.
​ولعل ما يضفي على هذا التمسك الجماعي بالقرآن الكريم خصوصية فريدة هو اعتماده الأصيل على رواية ورش عن نافع من طريق الأزرق وهي الرواية التي ارتضاها المغاربة تاريخيا ومزجوا من خلالها بين مكونات هويتهم الإسلامية العربية والأمازيغية، وتنفرد هذه القراءة بجمالية أدائية متميزة تمنح التلاوة المغربية بصمتها الخاصة التي تتجلى في تخفيف الهمزات ومد ميم الجمع وتحقيق المد المنفصل بست حركات كاملة، مما يضفي على الأداء مسحة من السكينة والخشوع والوقار الذي تتناقله الأجيال بكل أمانة وإتقان.
​وبالموازاة مع هذه المواكب تشهد الساحة الثقافية طيلة الفترة الصيفية تظاهرة مميزة عبر تنظيم مسابقات قرآنية وأنشطة تحفيزية للأطفال والشباب تروم شحذ هممهم وتشجيعهم على الاستمرارية في طلب العلم وإتقان حفظ الذكر الحكيم وضبطه، وتجد هذه المبادرات سندها المتين ورعايتها العظمى في العناية المولوية السامية لأمير المؤمنين صاحب الجلالة الملك محمد السادس حفظه الله، الذي يحيط أهل القرآن برعاية خاصة، وتبرز هذه العناية السامية جليا في جائزة محمد السادس الوطنية في حفظ القرآن الكريم وترتيله وتجويده التي تشرف عليها وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية بوصفها منارة سنوية تحتفي بالكفاءات والحفظة المتميزين وتقدمهم للمجتمع كأيقونات للتحصيل المتقن وهي العناية التي أثمرت تبوء المغرب مراتب الصدارة والريادة عالميا في مختلف المحافل والمسابقات القرآنية الدولية مكرسا مكانته البارزة وسمعته التاريخية بين دول العالم الإسلامي كمنارة لا تضاهى في حفظ وضبط وترتيل كتاب الله.
​وتتطلع هذه الاحتفالات الصيفية السنوية بالدرجة الأولى إلى ترسيخ ثقافة حفظ القرآن الكريم وتجويده لدى الناشئة وتشجيع التميز والريادة في التحصيل القرآني كما تسعى بوضوح إلى تقديم الحامل لكتاب الله حفظا وترتيلا كقدوة حسنة ومثال يحتذى به في البناء المجتمعي بما يضمن غرس وترسيخ القيم الإسلامية السمحة القائمة على الوسطية والاعتدال والتسامح وبذلك تعيد هذه الأنشطة توكيد المكانة الريادية للمدارس والكتاتيب القرآنية في المغرب كفضاءات نموذجية للتربية والتكوين العصري وحواضن للإشعاع العلمي والثقافي الذي يربط ماضي المملكة العريق بمستقبلها الواعد.

الاخبار العاجلة