المساء نيوز – ليلى بهلولي
لا زال قطاع النقل الحضري بواسطة الحافلات بمدينة سلا يمر من نفق مظلم يعكس أزمة تدبيرية خانقة، ملقياً بظلاله السوداء على الروتين اليومي للمواطنين. وفي ظل هذا الواقع المتردي، يجد المواطن السلاوي نفسه يومياً في مواجهة حقيقة مرة على أرصفة الشوارع الرئيسية للمدينة؛ إذ تحولت رحلة الذهاب والإياب من وإلى العمل أو الدراسة إلى قصة معاناة لا تنتهي. وهي معاناة يومية كتبت تفاصيلها بمداد الانتظار الطويل تحت أشعة الشمس الحارقة أو زخات المطر، وسط تساؤلات واقعية يوجهها السكان إلى الشركة المفوض لها تدبير القطاع بمجموعة (Alsa-City Bus) حول مسببات التراجع المهول في جودة الخدمات، وقلة الأسطول، وصور الاكتظاظ المقلق التي باتت تشوه وجه المدينة وتخدش كرامة المواطن السلاوي.
وفي هذا الصدد، تكشف جولة ميدانية بالمحطات الرئيسية للمدينة عن عمق الأزمة الهيكلية التي تضرب القطاع؛ فابتداءً من جماعة سيدي بوقنادل التي تشهد امتداداً ديمغرافياً وكثافة سكانية متصاعدة، لا يزال المرتفقون يعانون الويلات جراء غياب خط مباشر يربط محور (سيدي بوقنادل-طريق القنيطرة) بالعاصمة الرباط. ويتكرر السيناريو نفسه بحدة أكبر في حي السلام، الذي يعرف توافداً قياسياً لطلبة معاهد التكوين المهني، والذين يجدون أنفسهم في مواجهة مباشرة مع قلة الحافلات واكتظاظها الخانق. وحين يرنو هؤلاء المواطنون ببصرهم نحو الأفق في انتظار نقطة الربط بالعاصمة، لا تلوح لهم سوى الحافلة رقم 3؛ باعتبارها المتنفس الوحيد المتاح، والتي تعاني أصلاً من ضغط واكتظاظ حادين لكونها تنطلق من منطقة “سيدي الطيبي” التابعة لإقليم القنيطرة، مارة بسلا وهي محملة بضعف طاقتها الاستيعابية قبل حتى أن تطأ أقدام ركاب هذه المدينة المليونية عتباتها.
وارتباطاً بهذا الوضع المأزوم، أجمع العديد من المرتفقين في تصريحات متطابقة على أن مدة انتظار الحافلة في بعض الخطوط الحيوية الأخرى (كالخطوط الرابطة بين سلا الجديدة، بطانة، أو أحياء الولجة والرباط) أصبحت تتجاوز الـ 45 دقيقة إلى ساعة كاملة في أوقات الذروة. هذا النقص الحاد في وتيرة مرور الحافلات بات يضع التزامات المواطنين، من موظفين وعمال وطلبة جامعيين، على كف عفريت، متسبباً في تأخر مألوف ومستمر عن مقرات العمل ومدرجات التحصيل العلمي.
وإذا كانت قلة الحافلات وتأخرها مشكلة قائمة الذات، فإن وصولها إلى المحطات يفتح في المقابل باباً لـمعركة أخرى؛ فبسبب معادلة قلة العرض وكثرة الطلب، تحولت حافلات سلا إلى ما يشبه “علب السردين” حيث يتم حشر الركاب بطرق مهينة تحط من الكرامة الإنسانية، وتضرب بالتدابير الأساسية للسلامة والصحة والراحة عرض الحائط. ولم يعد هذا الاكتظاظ المأساوي مقتصراً على التعب الجسدي والنفسي للمواطنين فحسب، بل تحول تحولا خطيرا ليصبح بيئة خصبة لتنامي ظواهر مشينة؛ أبرزها السرقة والنشل، فضلاً عن التحرش بالنساء والعاملات اللواتي يجدن أنفسهن مجبرات على خوض هذه المغامرة اليومية الصعبة، لغياب البديل المادي اللائق.
ومن هذا المنطلق، فإن هذا الوضع المتردي يسائل مباشرة المجلس الجماعي لمدينة سلا والشركة المكلفة بالقطاع، ويضعهما معاً أمام المسؤولية القانونية والأخلاقية؛ فدفاتر التحملات الصارمة التي تم توقيعها بوعود توفير أسطول حديث ووتيرة مرور منتظمة، يبدو أنها ظلت حبراً على ورق أمام هذا الواقع المعاش. وبناءً عليه، تحولت أزمة النقل بمدينة سلا إلى عائق تنموي واجتماعي حقيقي، يساهم في تكريس عزلة أحياء المدينة، وإرهاق القدرة الشرائية للمواطن البسيط الذي يضطر مجبراً للاستعانة بـ النقل السري أو سيارات الأجرة الكبيرة بتكلفة مالية مضاعفة تثقل كاهله المثقل أصلاً بالالتزامات.
وتأسيساً على ما سبق، يمكن القول إن أهالي سلا لا يطالبون بالمستحيل، بل يطالبون بحقهم الدستوري والآني في تنقل لائق وآمن يحفظ كرامتهم الإنسانية. وإلى أن تتحرك الجهات الوصية لفرض سلطة القانون، وتفعيل لجان المراقبة، ومحاسبة الشركة المقصرة على ضعف أسطولها، ستبقى حافلات سلا شاهداً حياً على معمار يتسع.. وخدمات تضيق.
