بقلم :النائبة البرلمانية نعيمة الفتحاوي
يأتي الخطاب الملكي، بمناسبة الذكرى السابعة والعشرين لعيد العرش المجيد، في سياق وطني وإقليمي ودولي بالغ الأهمية، حيث تتقاطع رهانات التنمية الاقتصادية والاجتماعية مع تحديات التحولات العالمية في مجالات الصناعة والطاقة والسيادة الاستراتيجية. وقد حرص جلالة الملك على إبراز أن مسار التنمية في المملكة المغربية ليس مجرد مشاريع ظرفية أو قطاعية، بل هو مسار استراتيجي عرضاني، يُدمج مختلف القطاعات الصناعية والطاقية والاجتماعية في رؤية موحدة، ويستند إلى عنصر أساسي هو الاستقرار الوطني الذي يشكل الضامن لاستمرارية الإصلاحات وتحصين المكتسبات.
يعكس الخطاب تفاعلاً واعياً مع الظرفية الدولية المتميزة بعودة السياسات الحمائية، وإعادة تشكيل سلاسل التوريد في سياق إقليمي يتسم بتنافسية عالية، يبرز فيها المغرب كقوة صاعدة، قادرة على الجمع بين التنمية الاقتصادية والاجتماعية، وبين الانفتاح الدولي المتوازن، بما يعزز مكانته كفاعل موثوق وشريك مطلوب.
ويمكن إجمال ما جاء في الخطاب الملكي السامي، بهذه المناسبة المجيدة ،فيما يلي :
*1.* *الاستقرار والمكانة الدولية*
الاستقرار السياسي والمؤسساتي في المغرب هو الشرط الأساسي الذي سمح بتحقيق هذه المكاسب الاقتصادية والاجتماعية. بفضل هذا الاستقرار، أصبح المغرب فاعلاً دولياً موثوقاً، يطرح شراكات متوازنة ومبادرات تعاون واعدة، ويعزز موقعه كقوة إقليمية ودولية. كما أن المكاسب المحققة تتجاوز الزمن الحكومي والبرلماني، لأنها نتيجة تراكمات استراتيجية طويلة المدى، وهو ما يمنح المغرب القدرة على إطلاق دورة جديدة من التنمية بعد الانتخابات المقبلة، شعارها تحصين المكاسب ومواصلة الإصلاحات الكبرى.
*2.* *التحول الصناعي الاستراتيجي*
المغرب لم يعد مجرد مصدر للفوسفاط، بل أصبح أول مصدر للسيارات في إفريقيا بطاقة إنتاجية تقارب مليون سيارة سنوياً، مع توسع في صناعة الطيران ودخول نادي الدول المصنعة لمحركات وأنظمة هبوط الطائرات. هذا التحول يعكس انتقالاً نوعياً نحو اقتصاد صناعي متنوع، يخلق الثروة وفرص الشغل، ويضع المغرب في موقع تنافسي عالمي. كما أن تطوير قطاع البطاريات الكهربائية يبرهن على قدرة المغرب على استباق التحولات التكنولوجية والانخراط في الصناعات المستقبلية ذات القيمة المضافة العالية.
*3.* *الطاقات المتجددة والهيدروجين الأخضر*
مشاريع الطاقات المتجددة ليست مجرد خيار بيئي، بل هي ركيزة للأمن الطاقي وجاذب للاستثمارات الصناعية التي تبحث عن طاقة تنافسية وخالية من الكربون. تنزيل “عرض المغرب في مجال الهيدروجين الأخضر” يعكس طموحاً استراتيجياً يجعل المملكة ضمن الدول الرائدة في هذا المجال، ويؤهلها لتكون مركزاً إقليمياً للطاقة النظيفة، بما يعزز استقلاليتها الطاقية ويمنحها موقعاً متقدماً في سلاسل الإنتاج العالمية.
*4.* *السيادة الوطنية والاكتفاء الاستراتيجي*
في ظل تقلبات الأسواق العالمية، جعل المغرب من تقوية السيادة الوطنية والاكتفاء الاستراتيجي محوراً للتنمية الصناعية. الصناعات الغذائية والدوائية تغطي اليوم حوالي 80% من الحاجيات الوطنية، وهو ما يقلل من التبعية الخارجية ويعزز الأمن الاقتصادي والاجتماعي. كما أن إقامة قاعدة صناعية وتكنولوجية في مجال الصناعات الدفاعية والأمن السيبراني يساهم تدريجياً في تعزيز السيادة الدفاعية، وخلق فرص للتنمية، وترسيخ مكانة المغرب كقوة إقليمية في هذه الصناعات الحساسة.
*5.* *التنمية الاقتصادية والحماية الاجتماعية*
شدد الخطاب الملكي على أن التنمية الاقتصادية لا تنفصل عن العدالة الاجتماعية والمجالية. لذلك، يتم تنزيل برامج التنمية البشرية وتعميم الحماية الاجتماعية، بما يحسن ظروف عيش المغاربة ويحقق الإنصاف بين مختلف المناطق. كما أن التنمية الترابية المندمجة تهدف إلى شمول كل الجهات دون استثناء، بما يعزز التماسك الاجتماعي ويكرس مبدأ التضامن الوطني. هذه السياسات تجعل من النمو الاقتصادي وسيلة لتحقيق العدالة، لا غاية في حد ذاتها.














