بقلم :الاستاذ: الحسين ابرزاق/ طاطا
كلما اقتربت الاستحقاقات الانتخابية، تعالت أصوات بعض الأحزاب التي تقدم نفسها باعتبارها حاملة لمشروع ديمقراطي وحداثي، وهي تندد بالرشوة الانتخابية وشراء الأصوات وتدعو إلى تخليق الحياة السياسية. غير أن المقاربة الموضوعية تقتضي مساءلة هذه الأحزاب نفسها عن حصيلتها التأطيرية والتنظيمية بين استحقاق وآخر، وعن مدى وفائها بالوظائف التي أسندها إليها الدستور والقانون.
فالديمقراطية ليست خطاباً موسمياً يُستدعى عند اقتراب صناديق الاقتراع، بل هي ممارسة يومية تقوم على التأطير والتكوين والتواصل المستمر مع المواطنين. وينص الفصل السابع من دستور المملكة المغربية لسنة 2011 على أن الأحزاب السياسية تعمل على «تأطير المواطنات والمواطنين وتكوينهم السياسي وتعزيز انخراطهم في الحياة الوطنية وفي تدبير الشأن العام»، كما يؤكد القانون التنظيمي رقم 29.11 المتعلق بالأحزاب السياسية على دورها في نشر الثقافة السياسية وتعزيز المشاركة المواطنة وتكوين النخب.
وانطلاقاً من هذه المقتضيات، يظل السؤال مشروعاً: أين كانت هذه الأحزاب طيلة سنوات الولاية؟ وأين هي فروعها المحلية التي يفترض أن تؤطر المواطنين وتواكب قضاياهم؟ وأين هي الأنشطة الفكرية والتكوينية والتواصلية التي تستفيد من أجلها الأحزاب من الدعم العمومي الممول من المال العام؟
إن المتتبع للشأن المحلي، وخاصة بالمجال القروي، يلاحظ ضعفاً واضحاً، بل غياباً شبه تام، للدور التأطيري للأحزاب السياسية. ففي العديد من الجماعات القروية لا وجود لفروع حزبية نشيطة، ولا لقاءات منتظمة مع المواطنين، ولا برامج للتكوين السياسي أو التربية على المواطنة، ولا مبادرات مستمرة لتأهيل الشباب وإعداد النخب المحلية. وتكاد الأحزاب لا تظهر إلا مع اقتراب موعد الانتخابات، حيث يتحول الفعل الحزبي من عمل مجتمعي دائم إلى نشاط موسمي مرتبط بالاستحقاقات الانتخابية.
والحال أن الأدبيات الكلاسيكية لعلم السياسة تؤكد أن الحزب السياسي لا يقتصر دوره على المنافسة الانتخابية، بل يضطلع بوظيفة التنشئة والتأطير السياسي للمواطني. كما يؤكد صامويل فيليبس هنتينغتون (Samuel P. Huntington) في كتابه “النظام السياسي في المجتمعات المتغيرة” أن ضعف المؤسسات الوسيطة وغياب التأطير السياسي يفتح المجال أمام العلاقات الزبونية والولاءات التقليدية ويؤثر سلباً في جودة المشاركة السياسية.
وتزداد هذه الإشكالية حدة في العالم القروي، حيث يطرح الواقع سؤالاً جوهرياً يتعلق بالعدالة المجالية في الاستفادة من التأطير السياسي. فإذا كانت الأحزاب تستفيد من دعم عمومي مصدره أموال جميع المواطنين، فإن من حق المواطنين في القرى والمناطق البعيدة أن يستفيدوا بدورهم من جزء من هذا المجهود التأطيري. فمن غير المقبول أن تتركز الأنشطة الحزبية والتكوينية في المدن الكبرى، بينما تظل مناطق واسعة تعاني فراغاً سياسياً وتنظيمياً يكاد يكون كاملاً.
إن العدالة المجالية لا تقتصر على توزيع المشاريع والبنيات التحتية، بل تشمل أيضاً توزيع فرص التأطير السياسي والتكوين المدني وتعزيز المشاركة المواطنة. ولذلك يحق التساؤل عن حجم الميزانيات التي تخصصها الأحزاب لتأطير المواطنين بالعالم القروي، وعن عدد الأنشطة التي تنظمها خارج المراكز الحضرية، وعن مدى انعكاس الدعم العمومي على رفع مستوى الوعي السياسي داخل الجماعات القروية.
ومن هنا، فإن الحديث عن الرشوة الانتخابية لا ينبغي أن يتحول إلى وسيلة لإعفاء الأحزاب من مسؤولياتها التأطيرية. فالمال الانتخابي لا ينمو في الفراغ، بل يجد بيئة مناسبة في ظل ضعف التأطير السياسي وغياب العمل الحزبي المستمر. وكما أن شراء الأصوات يمثل إخلالاً بقواعد التنافس الديمقراطي، فإن التخلي عن وظيفة التأطير يمثل بدوره إخلالاً بإحدى أهم الوظائف الدستورية للأحزاب.
إن قوة الديمقراطية ترتبط بمدى تجذر الأحزاب داخل المجتمع وقدرتها على بناء روابط دائمة مع المواطنين، لا بمجرد حضورها الموسمي خلال الانتخابات. ومن هذا المنطلق، فإن الأحزاب التي ترفع اليوم شعار الدفاع عن الديمقراطية مطالبة أولاً بتقديم حصيلة واضحة في مجال التأطير السياسي، والكشف عن عدد فروعها المحلية النشيطة، وحجم أنشطتها التكوينية، ومدى استفادة العالم القروي من الدعم العمومي المخصص لهذا الغرض.
فالديمقراطية لا تُبنى بالشعارات ولا بالبيانات الموسمية، وإنما تُبنى بمواطن واعٍ ومؤطر، وبأحزاب حاضرة في المجتمع طيلة الولاية لا خلال الأسابيع التي تسبق الاقتراع فقط. وعندما يغيب التأطير، وتتسع الفجوة المجالية بين المدينة والقرية في الاستفادة من العمل الحزبي، يصبح الحديث عن تخليق الحياة السياسية ناقصاً، لأن الديمقراطية الحقيقية تبدأ من بناء الوعي قبل التنافس على الأصوات.













