المساء نيوز – ليلى بهلولي
في المشهد النقابي والسياسي الراهن، تبرز ظاهرة مقلقة تحولت إلى ما يشبه منظومة بديلة تحكم الصعود إلى مناصب المسؤولية وتدبير المهام؛ وتتجلى هذه المعضلة في تغلغل أساليب المحسوبية والزبونية، وشبكات العلاقات الضيقة المعروفة في الأوساط الشعبية بمنطق “باك صاحبي”. وتكمن المفارقة الصادمة اليوم في رؤية أشخاص يتصدرون المشهد ويتقلدون حزمة من المسؤوليات والملفات المعقدة التي لا يملكون أدنى أهلية لإدارتها، في حين أنهم يستعيضون عن ذلك بامتلاك كفاءة من نوع آخر؛ قوامها إتقان التملق، والتقرب من مراكز القرار، والاعتماد على أساليب يمكن وصفها بـالشيطانية لتثبيت الأقدام وإزاحة الشرفاء.
وفي هذا السياق، يرى خبراء علم الاجتماع السياسي أن تفشي هذا الداء داخل الهيئات النقابية والأحزاب السياسية يرجع بالأساس إلى غياب آليات المراقبة والمحاسبة الشفافة؛ ففي مثل هذه البيئة التنظيمية الهشة، يدرك الانتهازي تماماً حجم ضعفه المعرفي والميداني، فيسارع إلى استثمار جهده الكامل في تقديم الولاء الأعمى واستعراض آيات التملق لأصحاب القرار. وبالمقابل، تجد بعض القيادات متعة ونوعاً من الأمان المزيف في تقريب هؤلاء؛ فالشخص المتملق لا يجادل، ولا يناقش، ولا يشكل خطراً على المناصب والمكتسبات، بخلاف صاحب الكفاءة والمبادئ الذي يملك دائماً رؤية نقدية تبتغي الإصلاح وتغليب المصلحة العامة.
إن تمكين غير الأكفاء بناءً على الولاءات الضيقة يترتب عليه نتائج كارثية تدفع ثمنها القواعد التنظيمية والمجتمع ككل؛ إذ يتسبب ذلك أولاً في إفراغ العمل النضالي من محتواه الأخلاقي، حيث يفقد العمل النقابي أو السياسي مشروعيته عندما يلمس المواطن أو العامل أن المدافعين عن حقوقه قد تسلقوا المناصب بأساليب ملتوية، مما يؤدي إلى أزمة ثقة حادة ونفور شامل من العمل العام. كما يؤدي هذا الوضع إلى تهجير الكفاءات الحقيقية؛ فعندما يوقن المناضل النزيه أن معايير الترقي لا علاقة لها بالعطاء والوعي، بل بمدى القرب من الزعيم، فإنه يختار الانسحاب مجبراً، الأمر الذي يفرز ظاهرة يمكن أن تسمى بـ “بؤس النخب”، حيث تخلو الساحة إلا من المصفقين والمنتفعين.
وعلى الرغم من أن المتملق قد ينجح في كسب ود الرئيس والقفز على المناصب، إلا أنه سرعان ما يسقط سقوطا ذريعا عند أول اختبار حقيقي في الميدان؛ فعندما توضع الملفات الحساسة والتحديات الكبرى كالمفاوضات النقابية المصيرية، أو صياغة البرامج السياسية والتنموية، أو تدبير الأزمات الاجتماعية بين أيدي هذه الفئة، تكون النتيجة حتمية لا مفر منها: ضعف وتخبط في الأداء، تراجع في المكتسبات، وفشل ذريع للتنظيم أمام الرأي العام.
ولأجل استئصال هذا السرطان التنظيمي، بات من الضروري توفر إرادة حقيقية لقطع دابر المزاجية، وذلك عبر مأسسة الديمقراطية الداخلية للانتقال الفعلي من سلطة الأشخاص إلى سلطة القوانين، وجعل الصناديق والانتخابات الشفافة هي الفيصل الوحيد، بالتوازي مع اعتماد دفاتر تحملات واضحة تضع شروطاً ومقاييس موضوعية وصارمة لكل مهمة تشمل الخبرة، والكفاءة، والمسيرة النضالية النظيفة، فضلاً عن ربط المسؤولية بالمحاسبة وتقييم الأداء بناءً على النتائج والمردودية الملموسة على أرض الواقع، لا على أساس الرضا الشخصي والعلاقات الخاصة.
إن استمرار الصمت تجاه تمدد المحسوبية والتملق في الجسد السياسي والنقابي هو بمثابة رصاصة أخيرة تطلق على ما تبقى من مصداقية لوسائطنا المؤسساتية؛ فقد حان الوقت لتشكل القواعد الواعية جدار صد حقيقي يميز الخبيث من الطيب، ويعيد الاعتبار للكفاءة والنزاهة كمعيار وحيد وأوحد لقيادة الشأن العام.
