في الدول التي تجعل من الحكامة الجيدة والشفافية ركيزة لتدبير الشأن العام، لا تُعد المطالبة بالمعلومة تشكيكا في المؤسسات، بل ممارسة لحق دستوري يعزز الثقة بينها وبين المواطنين. ومن هذا المنطلق، يظل فتح النقاش حول تدبير بطائق الإنعاش الوطني نقاشًا مشروعًا، غايته البحث عن الحقيقة في إطار القانون، بعيدًا عن الأحكام المسبقة أو الاتهامات المجانية.
لقد كرس الدستور المغربي الحق في الحصول على المعلومات باعتباره أحد المقومات الأساسية للديمقراطية التشاركية، وجاء القانون رقم 31.13 ليضع الآليات القانونية التي تخول لكل مواطن، ولكل صحفي، ولكل هيئة من هيئات المجتمع المدني، طلب الوثائق والمعطيات التي بحوزة الإدارات والمؤسسات العمومية، متى كانت قابلة للإفصاح وفق مقتضيات القانون.
وفي هذا الإطار، يفرض سؤال نفسه بإلحاح: لماذا لا يتم تمكين الرأي العام من الاطلاع على لوائح المستفيدين من بطائق الإنعاش الوطني، كلما أثيرت تساؤلات حول معايير الاستفادة؟ فالإجابة عن هذا السؤال لا تحتاج إلى سجالات أو تبريرات، بل إلى وثيقة رسمية تنهي الجدل وتضع حدًا لكل تأويل.
إن ما يُتداول من معطيات بشأن احتمال استفادة أشخاص لا تنطبق عليهم شروط الاستحقاق، أو منتخبين، أو أقارب لهم، أو أشخاص يتوفرون على مصادر دخل ثابتة، أو غيرهم، لا يمكن اعتباره حقيقة إلا إذا أكدته الوثائق الرسمية، كما لا يمكن نفيه إلا بالوثائق ذاتها. لذلك، فإن الاحتكام إلى المعلومة الموثقة هو الضمانة الوحيدة لصون الحقوق وحماية سمعة المؤسسات والأفراد في آن واحد.
فالشفافية لا تُضعف الإدارة، بل تمنحها قوةً ومصداقية. وإذا كانت عمليات الاستفادة قد تمت وفق الضوابط القانونية والمعايير الاجتماعية المعتمدة، فإن نشر اللوائح ـ في الحدود التي يسمح بها القانون مع احترام حماية المعطيات الشخصية ـ سيعزز ثقة المواطنين ويغلق الباب أمام الإشاعات والتأويلات. أما إذا كشفت الوثائق عن اختلالات أو تجاوزات، فإن دولة القانون تقتضي فتح الأبحاث اللازمة، وتحديد المسؤوليات، وترتيب الآثار القانونية، بما ينسجم مع مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة وحماية المال العام.
إن الصحافة الجادة لا تبني مواقفها على الإشاعة، ولا تستبدل الوثيقة بالتخمين، وإنما تجعل من الحق في الوصول إلى المعلومة وسيلتها الأساسية لممارسة دورها الرقابي بكل استقلالية ومهنية. كما أن المجتمع المدني، وهو يمارس أدواره الدستورية، يظل شريكًا في ترسيخ ثقافة الشفافية والنزاهة وحسن تدبير الموارد العمومية.
واليوم، لم يعد الرهان هو الدفاع عن هذا الطرف أو ذاك، بل الدفاع عن حق المواطن في المعرفة، وعن حق الدولة في أن تُدار مؤسساتها بمنطق الوضوح والمساءلة. فكل معلومة تُنشر وفق القانون تعزز الثقة، وكل وثيقة تُكشف للرأي العام تقوي مصداقية الإدارة،
بينما يظل الغموض أرضًا خصبة للإشاعة وفقدان الثقة.
إن تفعيل مقتضيات القانون رقم 31.13 في ما يتعلق بطلب المعلومات المرتبطة ببطائق الإنعاش الوطني ليس مجرد إجراء إداري، بل رسالة واضحة مفادها أن الشفافية هي الحصن الحقيقي لحماية المال العام، وأن الدعم العمومي يجب أن يصل إلى مستحقيه وفق معايير الإنصاف والاستحقاق، تحت رقابة القانون والمؤسسات، وفي ظل احترام الحقوق والحريات التي يكفلها الدستور.













