تستعد جماعة أيت وابلي بإقليم طاطا لاحتضان الدورة الخامسة من مهرجان الواحة للحناء والفنون، خلال الفترة الممتدة من 29 أكتوبر إلى فاتح نونبر 2026، في موعد ثقافي وتراثي يتجاوز منطق الاحتفال الموسمي، ليطرح رهانات صون الذاكرة الجماعية، وتثمين الموروث الواحي اللامادي، وتعزيز إشعاع المنطقة ثقافياً وسياحياً واقتصاديا.
وتنظم جمعية مهرجان الواحة لفنون أحواش بأيت وابلي هذه التظاهرة تحت شعار «التراث أمانة»، في تعبير عن وعي بأهمية حماية الموروث الثقافي المحلي من الاندثار، ونقله إلى الأجيال الصاعدة باعتباره جزءاً أصيلا من الهوية الجماعية للمنطقة، ومكونا أساسيا من مكونات التنوع الثقافي الذي يميز إقليم طاطا ومجالاته الواحية.
وتنعقد هذه الدورة بدعم من وزارة الشباب والثقافة والتواصل، قطاع الثقافة، وعمالة إقليم طاطا، ومجلس جهة سوس ماسة، ومركز سوس ماسة للتنمية الثقافية بأكادير، وبشراكة مع الجماعة الترابية لأيت وابلي، في إطار تضافر جهود مختلف المتدخلين لدعم المبادرات الثقافية المحلية وتعزيز مكانة التراث ضمن مسارات التنمية المجالية.
لا يستمد مهرجان الواحة للحناء والفنون أهميته من برنامجه الاحتفالي وحده، بل من طبيعة الرهان الذي يحمله، والمتمثل في تحويل الموروث الثقافي من ذاكرة محفوظة في وجدان الساكنة إلى رصيد قابل للتثمين والاستثمار، بما يعزز جاذبية المنطقة ويفتح آفاقاً جديدة أمام المبادرات المحلية.
فأيت وابلي، بما تختزنه من مؤهلات طبيعية وواحات ومعالم تراثية وفنية، تمثل نموذجاً للمجالات الواحية التي تحتاج إلى مزيد من التعريف والترويج، وربط مؤهلاتها الثقافية بفرص التنمية السياحية والاقتصادية. ومن هذا المنطلق، تبرز أهمية التظاهرات التراثية في إبراز الخصوصيات المحلية، وتشجيع تسويق المنتوجات المجالية، وتعزيز حضور الصناع التقليديين والفاعلين الثقافيين ضمن الدينامية التنموية للمنطقة.
كما يكتسي الاحتفاء بحناء أيت وابلي أهمية خاصة، بالنظر إلى ما تحظى به من مكانة ضمن المنتوجات المحلية المعروفة بجودتها، وما يرتبط بها من ممارسات وعادات وطقوس متوارثة. ويمنح هذا الموروث للمهرجان هوية مميزة، تجعله فضاءً للتعريف بالمعارف التقليدية والمهارات المحلية، وفرصة لإبراز قيمة التراث باعتباره رافعة للهوية ومجالاً واعداً للتثمين الاقتصادي.
ووفق البرنامج المعلن، ستعرف هذه الدورة تنظيم ندوة علمية كبرى حول موضوع «الثقافة الواحية بين التعابير الأدبية والممارسات الاقتصادية»، بمشاركة أساتذة وباحثين جامعيين، في خطوة تروم فتح نقاش حول العلاقة بين التعبيرات الثقافية والأنشطة الاقتصادية، واستكشاف إمكانات توظيف الرصيد التراثي في خدمة التنمية المستدامة، دون التفريط في أصالته وخصوصيته.
ويعكس اختيار هذا الموضوع توجها نحو تجاوز المقاربة الاحتفالية الضيقة للتراث، والانفتاح على النقاش العلمي بشأن سبل حمايته وتطوير آليات تثمينه، بما يسمح بربط المعرفة الأكاديمية بالتجارب المحلية، واستحضار دور الثقافة في بناء اقتصاد مجالي يستند إلى الخصوصيات والإمكانات المتاحة.
كما يتضمن البرنامج تنظيم مسابقات في الطبخ التراثي الواحي الأصيل، وفنون وطقوس إعداد الشاي، وطقوس النقش بالحناء، إلى جانب عروض الفروسية التقليدية «التبوريدة»، وهي فقرات تستحضر جوانب من الذاكرة الاجتماعية والثقافية للمنطقة، وتمنح الجمهور فرصة للتعرف على ممارسات متجذرة في الحياة اليومية والاحتفالية للمجتمع الواحي.
وتكتمل فقرات المهرجان بسهرات فنية كبرى يومي 31 أكتوبر وفاتح نونبر 2026، بمشاركة فرق فنية وتراثية وطنية ومحلية، في أفق إبراز غنى التعبيرات الفنية وتنوعها، وتعزيز حضور فنون أحواش والموروث الموسيقي الشعبي باعتبارهما من أبرز مكونات الهوية الثقافية المحلية.
إن الرهان الحقيقي لمثل هذه المبادرات لا يقف عند حدود تنظيم الأنشطة واستقطاب الجمهور، بل يمتد إلى قدرتها على إحداث أثر ملموس في محيطها، من خلال توسيع دائرة التعريف بالمؤهلات المحلية، وتشجيع مشاركة الشباب والنساء والفاعلين الجمعويين، وخلق فرص للترويج للمنتوجات المجالية والحرف التقليدية.
ومن شأن استثمار المهرجان في التواصل والترويج الثقافي والسياحي أن يعزز موقع أيت وابلي ضمن المشهد الثقافي بإقليم طاطا وجهة سوس ماسة، خصوصاً إذا اقترن الاحتفاء بالتراث بمبادرات عملية ومستدامة تضمن استمرارية المكتسبات، وتمنح الموروث المحلي فرصاً أكبر للحضور في المسارات الاقتصادية والسياحية.
وتبرز في هذا السياق أهمية مواصلة التنسيق بين الجماعة الترابية والجمعيات والقطاعات والمؤسسات الداعمة، بما يضمن تطوير التجربة التنظيمية للمهرجان، وتوسيع أثرها المجتمعي، وجعلها مناسبة لتجديد النقاش حول حاجيات المنطقة وإمكاناتها، واستحضار دور الثقافة في تحقيق العدالة المجالية وتعزيز التنمية المحلية.
وبين أصالة الموروث الواحي وتطلعات التنمية، تأتي الدورة الخامسة لمهرجان الواحة للحناء والفنون لتؤكد أن التراث ليس مجرد استعادة للماضي، بل رصيد حي يمكن أن يسهم في بناء المستقبل، متى جرى الحفاظ عليه وتثمينه وإشراك أبناء المنطقة في صونه وتطويره.
أيت وابلي على موعد مع الثقافة والتراث، في دورة تراهن على تثبيت الهوية الواحية وتعزيز إشعاع إقليم طاطا، وجعل الثقافة مدخلاً للتنمية ونافذة للتعريف بما تزخر به المنطقة من مؤهلات وطاقات.













