سيدي جمال الدين القادري بودشيش.. عامٌ على الرحيل، وحضورٌ لا يغيب

عبدالرحيم ادبلقاسمنذ 42 دقيقةآخر تحديث :
سيدي جمال الدين القادري بودشيش.. عامٌ على الرحيل، وحضورٌ لا يغيب

جريدة المساء نيوز/خيي محمد بنعزوز/مداغ

حين يرحل الرجال، لا تقاس حياتهم بما أخذوه معهم إلى الثرى، وإنما بما تركوه في القلوب من نور، وفي النفوس من أثر، وفي الطريق من امتداد. وبعد عام على رحيل سيدي جمال الدين القادري بودشيش، بدت الذكرى الأولى وكأنها لحظة يتجاور فيها الحزن مع الوفاء، والغياب مع الحضور، والدمعة مع الذكر، لتؤكد أن بعض الرحيل لا يكون نهاية، بل بداية أخرى لحضور أكثر رسوخاً في الذاكرة والوجدان.

في رحاب الطريقة القادرية البودشيشية، أحيت أسرة الطريقة ومريدوها الذكرى الأولى لرحيل سيدي جمال الدين القادري بودشيش، في حفل روحي كبير احتشدت له جموع المريدين من مختلف البقاع، وجاءت تفاصيله شاهدة على مكانة الراحل في نفوس محبيه، وعلى استمرار المسيرة التي حمل مشعلها في حياته، وساهم في ترسيخ معالمها ضمن مدرسة تربوية وروحية عريقة.

وترأس هذا الموعد الروحي بشارة العارفين، فضيلة الشيخ الدكتور سيدي منير القادري بودشيش، في مناسبة لم تكن استذكاراً عابراً لاسم الراحل، وإنما استحضاراً لمسيرة رجل ارتبط اسمه بخدمة الطريق، وبمواصلة الأمانة الروحية والعلمية التي أرساها والده سيدي حمزة القادري البودشيشي، قدس الله سره.

وفي مشهد حمل الكثير من الدلالات، توالت شهادات علماء أجلاء من مالي والكويت وكندا وفرنسا، استحضروا فيها مكانة سيدي جمال الدين، وأثره في محيطه، ودوره في إكمال مسيرة والده، مؤكدين أن القيمة الحقيقية للرجال لا تختصرها سنوات العمر، وإنما يقاس امتدادها بما يتركه أصحابها من أثر في النفوس، وبما يواصلونه من بناء للإنسان وتربية للوجدان.

ولعل حضور هذه الأصوات القادمة من مشارب جغرافية مختلفة كان في حد ذاته رسالة بالغة الدلالة؛ فالتربية الصوفية، حين تتأسس على العلم والأخلاق والمحبة، لا تقف عند حدود المكان، ولا تحبسها الجغرافيا. إنها لغة تفهمها القلوب قبل الألسن، ويجد فيها الإنسان، مهما اختلف موطنه، بحثاً مشتركاً عن السكينة والمعنى والصفاء.

وكانت الكلمات التي قيلت في حق الراحل أقرب إلى شهادات وفاء منها إلى مراثي غياب؛ إذ إن الرجل الذي يرحل ويترك وراءه محبة صادقة، وذكراً طيباً، وتلامذة ومحبين، لا ينتهي حضوره بانتهاء حياته، بل تتحول سيرته إلى جزء من الذاكرة الجماعية لمن عرفوه وأحبوه.

وفي قلب هذا المشهد الروحي، صدحت أصوات المديح والسماع تحت إشراف فرقة منزل الوصال، فانتقلت أجواء المناسبة من استحضار السيرة إلى استحضار المعنى، ومن الحديث عن الراحل إلى استحضار القيم التي عاش من أجلها.

كان السماع في تلك اللحظات أكثر من إنشاد؛ كان لغة للوجدان، ومساحة تستعيد فيها الأرواح هدوءها، وتستحضر فيها القلوب معاني المحبة والصفاء والتعلق بالقيم النبوية والأخلاق الفاضلة.

ثم جاءت مشاركة براعم الطريقة القادرية البودشيشية في مسرحية تمحورت حول السند الروحي والعلمي لفضيلة الشيخ سيدي منير القادري بودشيش، لتمنح المناسبة بعداً آخر، عنوانه الأجيال القادمة.

فحين يصعد الأطفال إلى فضاء التعبير عن السند والتربية والعلم، فإن الرسالة لا تتوقف عند حدود المسرح؛ إنها تقول إن الطريق الذي ظل لعقود يراهن على التربية قادر على أن يورث قيمه للأجيال الجديدة، لا بوصفها موروثاً جامداً، وإنما باعتبارها منظومة من الأخلاق والمعرفة والمسؤولية.

وهنا تحديداً تتجلى أهمية التجربة الصوفية المغربية، وفي مقدمتها الطريقة القادرية البودشيشية، التي جعلت من التربية الروحية والأخلاقية رافداً من روافد التدين المغربي، ومن الوسطية والاعتدال ونبذ العنف والتطرف والغلو مرتكزات أساسية في خطابها.

لقد أدركت هذه المدرسة، منذ عقود، أن مواجهة التطرف لا تكون بالصخب، وإنما ببناء الإنسان؛ وأن علاج الغلو يبدأ من تربية القلب على الرحمة، والعقل على الاعتدال، والنفس على التواضع، واللسان على الكلمة الطيبة.

وفي زمن تتعدد فيه الأصوات التي تحاول تقديم الدين باعتباره مساحة للصراع والإقصاء، يأتي التصوف، في بعده التربوي، ليذكر بأن الإسلام قبل أن يكون خطاباً، هو أخلاق؛ وقبل أن يكون مظهراً، هو سلوك؛ وقبل أن يكون اختلافاً مع الآخر، هو مسؤولية تجاه النفس والناس والوطن.

فالمتصوف الحقيقي لا يبحث عن عيوب الآخرين قبل أن يحاسب نفسه، ولا يجعل التدين جسراً إلى الكراهية، وإنما يجعله طريقاً إلى الرحمة. ولا يرى في الاختلاف مبرراً للعنف، بل مناسبة لممارسة الصبر والحكمة وحسن المعاملة.

ومن هنا، فإن الحديث عن الطريقة القادرية البودشيشية لا ينفصل عن الحديث عن إحدى صور التدين المغربي الذي يجمع بين العقيدة والفقه والتربية، ويؤمن بأن استقرار المجتمع يبدأ من استقرار الإنسان مع نفسه، وأن محاربة التطرف تبدأ قبل كل شيء من تحصين الناشئة بالعلم والقيم والاعتدال.

ولذلك لم يكن غريباً أن يحضر المريدون من مختلف الجهات لإحياء الذكرى الأولى؛ فالمجالس الروحية لا تجمع الأجساد فقط، وإنما تجمع القلوب حول معنى واحد: المحبة.

وفي ختام هذا الحفل الكبير، ارتفعت الأكف إلى السماء، وتوحدت القلوب في الدعاء لله عز وجل، بأن يحفظ أمير المؤمنين جلالة الملك محمد السادس نصره الله، وأن يمنّ عليه بالشفاء والعافية، ويحفظه بما حفظ به الذكر الحكيم، وأن يحفظ المغرب وأهله، ويديم عليه نعمة الأمن والاستقرار، ويجعله بلداً آمناً مطمئناً، وموطناً للرحمة والخير والتآزر، وبلداً للدين، وراحة للمحتاج والمسكين.

ثم خفتت الأصوات، وانتهى المجلس، وانصرف المريدون، لكن شيئاً واحداً ظل حاضراً: ذلك الإحساس بأن الذكرى ليست تاريخاً يُكتب في دفتر الراحلين، وإنما أثرٌ يتجدد كلما اجتمعت القلوب على الخير.

عامٌ مضى على رحيل سيدي جمال الدين القادري بودشيش، لكن عاماً واحداً لم يكن كافياً لإطفاء أثره.

فالذين يرحلون إلى الله بأثر طيب لا تغلق خلفهم أبواب الحضور؛ تبقى سيرتهم في الذاكرة، وكلماتهم في الوجدان، وتربيتهم في سلوك من أحبهم، ويستمر الطريق الذي خدموه ما دام فيه من يحمل الأمانة.

وفي الذكرى الأولى، كان المشهد واضحاً: رحل الرجل، ولم ترحل الرسالة؛ غاب الجسد، وبقي الأثر؛ سكت الصوت، وظل صداه في القلوب.

وهكذا، لم تكن ذكرى سيدي جمال الدين القادري بودشيش مجرد استعادة لزمن مضى، بل كانت تجديداً للعهد مع طريقٍ يجعل من العلم نوراً، ومن الذكر حياة، ومن الأخلاق ميزاناً، ومن المحبة جسراً، ومن خدمة الإنسان والوطن مظهراً من مظاهر الوفاء لله ورسوله.

وفي زمن يحتاج فيه العالم أكثر من أي وقت مضى إلى خطاب يطفئ نيران الكراهية، ويواجه الغلو بالحكمة، والعنف بالرحمة، والتطرف بالعلم، تظل رسالة التربية والاعتدال والمحبة واحدة من أكثر الرسائل إلحاحاً.

تلك هي الحكاية التي بقيت بعد عام من الرحيل: أن يمضي الإنسان، ويبقى ما زرعه؛ وأن يغيب صاحب المشعل، لكن النور لا ينطفئ ما دامت هناك قلوب تعرف طريقها إلى الله بالمحبة والسلام.

الاخبار العاجلة