صراع الأجيال بعد الباكالوريا: هل يدرس الأبناء لبناء مستقبلهم أم لإرضاء أولياء أمورهم؟

عبدالرحيم ادبلقاس2 يوليو 2026آخر تحديث :
صراع الأجيال بعد الباكالوريا: هل يدرس الأبناء لبناء مستقبلهم أم لإرضاء أولياء أمورهم؟

المساء نيوز – ليلى بهلولي

​مع إعلان نتائج امتحانات شهادة الباكالوريا، تعم الفرحة بيوت الناجحين، وتتحول المنازل إلى ساحات للاحتفال بجني ثمار سنة من السهر والتحصيل الدراسي؛ غير أن هذه الفرحة العارمة سرعان ما تصطدم بواحد من أعقد الإشكالات الاجتماعية والتربوية التي تشهدها الأسرة المغربية، ألا وهي معركة الوعي بحرية اختيار المسار الجامعي المستقبلي، حيث يجد الكثير من التلاميذ أنفسهم أمام امتحان ثان لا يختبر مؤهلاتهم المعرفية، لكنه يستنزف طاقاتهم النفسية في مواجهة وصاية عائلية مبنية على المقارنات، تسعى لرسم ملامح غدهم نيابة عنهم.

​وتتجلى أبعاد هذه المعركة الصامتة في ذلك التناقض الكبير بين شغف التلميذ وطموحه، وبين رغبة الآباء في تحقيق الرضى الاجتماعي الأعمى أو تقليد نجاحات نمطية، ففي الوقت الذي ينبغي فيه أن يكون الاختيار نابعاً من إرادة التلميذ الحرة، لكونه يعبر عن رغبة حقيقية، وميولات شخصية، وقدرات خاصة، يتدخل الآباء بـ “فيتو” صارم لفرض شعب وتخصصات لا تتوافق مطلقاً مع مؤهلات أبنائهم، مدفوعين أحياناً بنظرة ضيقة لمهن بعينها، ومتناسين في الآن ذاته أن سوق الشغل المعاصر وآليات التطور التكنولوجي قد غيرت كلياً مفاهيم التميز والنجاح.

​وبناء على هذا التدخل السلبي، ينبه خبراء التربية وعلم الاجتماع إلى جملة من العواقب الوخيمة التي تدفع ثمنها المنظومة التعليمية والمجتمع معاً؛ إذ ينتج عن غياب قناعة الطالب بالشعبة التي وجه إليها نفور تدريجي يتطور سريعاً إلى فشل دراسي وهدر جامعي في السنوات الأولى، ناهيك عن الأزمات النفسية وشعور العجز والإحباط الذي يرافق الشاب وهو يدرس لإرضاء محيطه لا لبناء ذاته، مما يحرم المجتمع في نهاية المطاف من كفاءات مبدعة، ويستبدلها بخريجين يحملون شواهد جافة بلا شغف أو إنتاجية حقيقية.

​ومن هذا المنطلق، يغدو إقرار حرية الاختيار للأبناء استثماراً حقيقياً في مستقبلهم المشروع، فالطالب الحاصل على الباكالوريا قد تجاوز مرحلة التبعية وأصبح قادراً على صياغة نظرته الخاصة لما يميل إليه ويحلم بالوصول إليه. ولا يعني هذا الأمر رفع يد الآباء بالكامل، بل تحويل دورهم من السلطوية التوجيهية إلى المصاحبة الواعية والدعم النفسي القائم على الاستشارة؛ فالنجاح الحقيقي لا يكمن في ولوج معهد ذي صيت عالٍ رغماً عن إرادة الطالب، بل في التميز داخل مسار يختاره الشاب عن حب، ويبدع فيه بملء إرادته.
​واتساقاً مع هذه الرؤية، تبرز المسؤولية المشتركة لكل من المدرسة، والمجتمع المدني، ووسائل الإعلام، باعتبارهم محركات أساسية لإنتاج وعي اجتماعي جديد؛ إذ يقع على عاتق هذه الأطراف الأساسية دور ريادي في تنظيم حملات تحسيسية وبرامج توجيهية هادفة تخاطب الآباء والأبناء على حد سواء.
إن تكريس ثقافة الحوار داخل الأسرة، وتفكيك الصورة النمطية السائدة حول المهن، يساهمان بشكل مباشر في منح الطالب بيئة آمنة لاختيار مساره الجامعي بكامل الحرية، وهو الأمر الذي ينعكس إيجاباً على مردوديته ليتحول إلى طاقة إبداعية مليئة بالشغف. وعلى النقيض من ذلك، فإن استمرار غياب هذا الوعي المؤسساتي والإعلامي سيعيد إنتاج تجارب مكررة من الفشل والنفور الدراسي.

​وتأسيساً على ما سبق، فإن مواجهة هذا الإشكال الاجتماعي باتت تتطلب تضافر جهود المؤسسات التعليمية والمدنية والأسر معاً من أجل صياغة وعي تربوي جديد يوجه للآباء، ويعترف بأن لكل تلميذ ميزته وبوصلته الخاصة التي توجهه نحو العطاء. وحسبنا في هذا السياق أن ندرك بأن المستقبل يبنى بالشغف لا بالامتثال الأعمى، وأن أجمل الأحلام هي تلك التي تنمو في التربة التي يختارها المبدعون بأنفسهم ولأنفسهم.

الاخبار العاجلة