المساء نيوز – ليلى بهلولي
تعيش الشغيلة التعليمية بالمديرية الإقليمية لأكادير إداوتنان على وقع احتقان صامت، يغذيه استياء عارم من طريقة تدبير مسطرة الفحص الطبي المضاد الخاصة برخص المرض. هذا الإجراء، الذي يُفترض فيه قانوناً ضبط غيابات الموظفين وضمان استمرارية المرفق العام، تحول بحسب شهادات متطابقة للعديد من الأساتذة إلى سيف مسلط على رقاب نساء ورجال التعليم، ومصدر إضافي يضاعف معاناتهم الصحية والنفسية بدل أن يكون آلية إنصاف.
وتكمن المفارقة الصارخة في مديرية أكادير إداوتنان في طابعها الجغرافي شديد التعقيد؛ فبينما تضم المديرية حواضر كبرى تتوفر فيها كل المرافق، تمتد حدودها لتشمل جماعات جبلية نائية، وعرة ومترامية الأطراف، على غرار “إيموزار”، “تدرارت”، و”تقي”. وفي ظل هذه التضاريس القاسية، يروي الأستاذ (أ. م)، الذي يشتغل بأعالي جبال إداوتنان، تجربته بمرارة قائلاً:
«أصبت بوعكة صحية حادة ألزمتني الفراش، وسلمت شهادة طبية للإدارة وفق المساطر الجاري بها العمل، لكنني فوجئت باستدعائي على عجل لإجراء فحص مضاد بمركز المدينة. واضطررت، وأنا في حالة عجز شبه تام، لقطع أزيد من 70 كيلومتراً عبر مسالك غير معبدة وفي وسائل نقل بدائية؛ لقد كان الفحص المضاد في حد ذاته عقوبة أقسى من المرض نفسه».
وليس هذا الأنين الإنساني بحالة معزولة، إذ تجد العديد من الأستاذات ولا سيما الحوامل منهن أو اللواتي يعانين من وعكات صحية طارئة أنفسهن أمام خيارين أحلاهما مر: إما تحمل مشاق السفر الطويل والخطير لإثبات مرضهن، أو مواجهة شبح الاقتطاع من الأجور والمساءلة الإدارية بتهمة الغياب غير المبرر.
ولا تتوقف فصول هذه المعاناة عند البعد الجغرافي وفك العزلة فحسب، بل تتجاوزها إلى ما يصفه الأساتذة بـ “المقاربة التشكيكية” التي تتعامل بها الإدارة؛ إذ يسود شعور عام بأن اللجوء الممنهج والآلي للفحص المضاد يحمل إدانة مسبقة لذكاء الأستاذ ونزاهة طبيبه المعالج على حد سواء.
وما يثير استغراب الأطر التربوية بحسب إفاداتهم هو أن الإدارة أصبحت تُفعل مسطرة الفحص المضاد بشكل آلي حتى بالنسبة للرخص قصيرة الأمد التي لا تتعدى مدتها يوماً واحداً فقط؛ وهو ما يصفونه بالإجراء التعجيزي الذي يجهز عملياً على حق الموظف في الراحة البيولوجية خلال أيام مرضه، ويحوله من فترة استشفاء إلى رحلة شقاء إداري.
وتزداد هذه المقاربة صرامة وتشنجاً عندما يتعلق الأمر بالأمراض النفسية والعقلية، كالاضطرابات العصبية أو الاكتئاب الحاد الناتج عن ضغط العمل وضغوطات الحياة. وفي هذا الصدد، تشير مصادر مطلعة إلى أن اللجان الطبية تظهر أحياناً تشدداً غير مفهوم في قبول الشواهد المرتبطة بالصحة النفسية، وتتعامل معها بنوع من الاستخفاف مقارنة بالأمراض العضوية، مما يدفع بالأستاذ المريض إلى دوامة من التوتر الإداري والبيروقراطي التي تفاقم وضعيته النفسية المتدهورة أصلاً.
وأمام هذا الوضع المتأزم، علت أصوات من داخل الحقل التعليمي تندد بما أسمته الشطط في استعمال السلطة الإدارية وتطبيق المراقبة الطبية بشكل زجري. وفي هذا السياق، أوضح أحد المتتبعين للشأن التعليمي بأكادير قائلاً:
«إن المشكل الحقيقي لا يكمن في القانون ذاته، بل في غياب مرونة حقيقية تراعي البعدين الإنساني والجغرافي. ومن هذا المنطلق، تجب المطالبة بـأنسنة عمل هذه اللجان، وتفعيل الفحص المضاد في أقرب المستوصفات المحلية بالمناطق القروية تيسيراً على نساء ورجال التعليم، بدل إجبارهم على التنقل القسري صوب المركز وهم في أضعف حالاتهم الصحية».
في المقابل، وتفعيلاً لمبدأ الرأي والرأي الآخر، ترى الإدارة بناء على تصريحات سابقة لمسؤولين بقطاع التربية الوطنية أن تفعيل مسطرة الفحص المضاد لا يستهدف التضييق على الشغيلة أو التشكيك في ضمائرهم، بل هو آلية قانونية صرفة لحماية الزمن المدرسي للتلميذ وصون حقه الدستوري في التمدرس.
وتوضح الإدارة أن الارتفاع الملحوظ في عدد الشواهد الطبية في فترات معينة من السنة الدراسية مثل فترات الامتحانات الإشهادية أو قبيل العطل المدرسية يفرض تفعيل آليات المراقبة بصرامة، وذلك للتمييز بين المرض الحقيقي والغيابات غير المبررة التي تضر بمصلحة المتعلمين، مؤكدة في الوقت ذاته أن هذه المساطر تُطبق وفق النصوص التشريعية والتنظيمية الجاري بها العمل في الوظيفة العمومية دون حيف أو تمييز.
تأسيساً على ما سبق، وبين صرامة النصوص القانونية التي تتشبث بها الإدارة لضمان سير المرفق العام، وبين الواقع الجغرافي والصحي المرير الذي يكتوي بناره أساتذة أعالي الجبال بأكادير إداوتنان، يبقى ملف الفحص المضاد نقطة تجاذب سوداء تحتاج إلى حلول عملية قوامها اللامركزية وتفويض الصلاحيات للمراكز الصحية المحلية.
فتجاوز المقاربة الزجرية نحو مقاربة مواطنة مرنة هو الكفيل الوحيد بضمان حق التلميذ في التعلم، وفي الآن ذاته، حفظ كرامة وصحة الأستاذ باعتباره العمود الفقري لأي إصلاح تعليمي منشود.
