المساء نيوز – عبد الله ضريبينة
في السياسة والإدارة والعمل الجمعوي، بل وحتى في العلاقات الإنسانية اليومية، يظل الولاء قيمة نبيلة حين يكون مبنياً على القناعة والاحترام المتبادل. لكنه يفقد معناه عندما يتحول إلى ولاء أعمى يُعطل العقل ويُلغي القدرة على التمييز بين الصواب والخطأ.
فالولاء الأعمى يشبه شخصاً يستقل حافلة مجهولة الوجهة، ويواصل التصفيق للسائق عند كل منعطف، دون أن يسأل إلى أين تقوده الطريق. وعندما تصل الرحلة إلى حافة الهاوية، يكتشف متأخراً أن كثرة التصفيق لم تكن يوماً وسيلة للنجاة.
كم من أشخاص دافعوا باستماتة عن مسؤولين أو قيادات أو مشاريع، واعتبروا كل انتقاد مؤامرة، وكل رأي مخالف خيانة، وكل نصيحة محاولة للتشويش. لكن المفارقة أن أول من يؤدي الثمن عند وقوع الأخطاء هم أنفسهم، بينما ينجح أصحاب القرار الحقيقيون في التنصل من المسؤولية أو البحث عن أكباش فداء جاهزة لتحمل العواقب.
فالولاء الأعمى لا يصنع مؤسسات قوية ولا يبني أوطاناً متقدمة، بل يخلق صفوفاً من المصفقين الذين يعتقدون أن ترديد كلمة “نعم” في كل الظروف دليل وفاء وإخلاص، بينما يكمن الوفاء الحقيقي أحياناً في الجرأة على قول “لا” عندما يكون المسار خاطئاً.
والأكثر إثارة للسخرية أن بعض الذين يهاجمون اليوم كل صوت يحذر من الخلل أو يدق ناقوس الخطر، يعودون بعد سنوات لتبني المواقف نفسها التي كانوا يحاربونها بالأمس، وكأن الذاكرة الجماعية فقدت قدرتها على التمييز بين المبدأ والمصلحة.
لقد أثبت التاريخ مراراً أن الولاء غير المبني على الوعي يتحول إلى قيد يكبل صاحبه قبل غيره. فالعقل خُلق للتفكير لا للتعطيل، والنقد البناء وُجد للتصحيح لا لتصفية الحسابات أو تحويل الاختلاف إلى خصومة.
ويبقى السؤال قائماً: هل الولاء الحقيقي هو السير خلف الأشخاص مهما كانت الوجهة، أم الحفاظ على استقلالية الرأي والقدرة على التمييز حتى لا يجد الإنسان نفسه يوماً يدافع عن أخطاء لا تخصه، ويدفع ثمن قرارات لم يشارك في صناعتها؟
لأن أخطر لحظة في حياة الإنسان ليست عندما يخطئ، بل عندما يتخلى عن عقله، ويسلم لغيره حق التفكير بالنيابة عنه.
