المساء نيوز – طنجة
أعادت شكاية تقدمت بها أسرة مغربية مقيمة بالخارج، بواسطة دفاعها، إلى النيابة العامة المختصة بطنجة، النقاش حول خطورة التنمر الإلكتروني واستهداف الأطفال عبر مواقع التواصل الاجتماعي، بعدما تضمنت ادعاءات بشأن تعرض أفراد الأسرة للإساءة والتشهير، من بينهم طفل قاصر لا يتجاوز عمره تسع سنوات، في قضية تطرح أسئلة جدية حول حدود المسؤولية في الفضاء الرقمي وضرورة حماية الطفولة من الممارسات المسيئة.
وحسب المعطيات الواردة في الشكاية التي توصلت جريدة «المساء نيوز» بنسخة منها، فإن الوقائع موضوع التبليغ ترتبط بمحتويات منشورة على منصة «فيسبوك»، تشمل مقاطع فيديو وصوراً وبثاً مباشراً وتعليقات، تقول المشتكية إنها تضمنت عبارات اعتبرتها مسيئة إلى كرامتها وكرامة أفراد أسرتها، فضلاً عن مضامين وصفتها بالتنمر على طفلها بسبب وضعية بصرية بسيطة على مستوى إحدى عينيه.
وتكتسي القضية حساسية خاصة بالنظر إلى سن الطفل المعني، إذ إن استهداف قاصر بمضامين يُشتبه في كونها ساخرة أو مهينة لا يطرح فقط مسألة الخلافات بين مستخدمي مواقع التواصل الاجتماعي، بل يثير أيضاً إشكالية حماية الأطفال من الآثار النفسية والاجتماعية المحتملة للمحتويات الرقمية التي قد تنتشر بسرعة ويصعب التحكم في تداولها.
وتفيد المعطيات الواردة في الوثيقة بأن الأسرة المعنية تعتبر أن المحتويات موضوع الشكاية تجاوزت حدود التعبير عن الرأي أو الخلاف الشخصي، لتشمل، بحسب ادعاءاتها، عبارات ومضامين تمس بكرامة أفرادها، مع إبداء تخوفها من انعكاسات هذه الوقائع على طفلها القاصر.
وفي هذا السياق، التمست المشتكية من النيابة العامة المختصة اتخاذ الإجراءات القانونية المناسبة، وفتح بحث للتحقق من الوقائع المبلغ عنها، والوقوف على طبيعة المحتويات المنشورة وظروف إعدادها وتداولها، فضلاً عن تحديد المسؤوليات المحتملة بناءً على ما قد تسفر عنه الأبحاث.
كما تشير الشكاية إلى إرفاقها بقرص مدمج يتضمن تسجيلاً لبث مباشر، إلى جانب صور لتعليقات منشورة على إحدى صفحات التواصل الاجتماعي، وهي عناصر تطلب المشتكية إخضاعها للفحص في إطار الإجراءات القانونية.
وتظل هذه المعطيات، في المرحلة الحالية، ادعاءات واردة في شكاية معروضة على الجهات المختصة، ولا يمكن اعتبارها وقائع ثابتة قبل التحقق منها. كما أن تحديد الطبيعة القانونية للأفعال المبلغ عنها وترتيب المسؤوليات بشأنها يظل من اختصاص القضاء، وفقاً للأدلة والضمانات القانونية المعمول بها.
إن أكثر ما يمنح هذه القضية أبعاداً إنسانية خاصة هو ارتباطها بطفل لا يتجاوز عمره تسع سنوات، وهي مرحلة عمرية تتطلب عناية مضاعفة بمشاعره وكرامته وسلامته النفسية.
فالأطفال قد يجدون صعوبة في التعامل مع السخرية والإهانات، خصوصاً عندما ترتبط بمظهرهم أو بوضعيات جسدية لديهم، أو عندما تتحول هذه المضامين إلى محتوى متداول بين مستخدمي المنصات الرقمية.
ولا تتوقف آثار المحتويات المنشورة بالضرورة عند لحظة بثها، إذ يمكن أن تتسع دائرة انتشارها بفعل إعادة المشاركة والتعليقات والتداول، بما قد يجعل الطفل عرضة للإحراج أو الضغط النفسي، ويضاعف مخاوف أسرته بشأن سلامته المعنوية.
ومن هذا المنطلق، فإن حماية الأطفال من التنمر الإلكتروني تقتضي ترسيخ ثقافة مجتمعية ترفض السخرية من الاختلاف، وتنبذ استهداف القاصرين بسبب مظهرهم أو أوضاعهم الشخصية، وتؤكد أن الخلافات بين الكبار لا ينبغي أن تتحول إلى مبرر لإقحام الأطفال فيها.
في ظل الانتشار الواسع لمواقع التواصل الاجتماعي، أصبح من الضروري التمييز بين حرية التعبير عن الآراء والمواقف وبين الممارسات التي قد تمس بكرامة الأشخاص أو خصوصيتهم أو حقوقهم.
فحرية التعبير تظل حقاً أساسياً، غير أن ممارستها تستوجب احترام حقوق الآخرين والالتزام بالقانون، مع مراعاة حساسية المحتويات التي تتناول الأطفال أو تعرض صورهم وتفاصيلهم الشخصية للتداول العام.
كما أن التحقق من أي ادعاءات تتعلق بالتشهير أو التنمر الإلكتروني يقتضي فحص المحتويات في سياقها الكامل، والتثبت من مصدرها وظروف نشرها، والاستماع إلى الأطراف المعنية، بعيداً عن الأحكام المسبقة أو الاتهامات غير المثبتة.
وفي مثل هذه القضايا، تبرز أهمية الاحتكام إلى المؤسسات المختصة، بما يضمن معالجة النزاعات وفقاً للقانون، ويحمي في الوقت نفسه حقوق المشتكين وحقوق الأشخاص الذين قد تشملهم الادعاءات.
إن مواجهة التنمر الإلكتروني ليست مسؤولية الأسرة وحدها، بل هي مسؤولية مشتركة تشمل المجتمع والمؤسسات التربوية والفعاليات المدنية ومستخدمي المنصات الرقمية.
وتستدعي هذه المسؤولية تعزيز التوعية بمخاطر الإساءة عبر الإنترنت، وتشجيع السلوك الرقمي المسؤول، وعدم إعادة نشر المحتويات التي قد تلحق الضرر بالأطفال، فضلاً عن التعامل الجاد مع الشكايات التي تتعلق باستهداف القاصرين.
كما تفرض المعالجة الإعلامية لهذه القضايا التزاماً خاصاً بحماية هوية الطفل وعدم نشر صوره أو بياناته الشخصية أو أي تفاصيل قد تسمح بالتعرف عليه، لأن الهدف من التناول الصحفي ينبغي أن يكون حماية الطفولة والتوعية بمخاطر التنمر، لا توسيع دائرة تداول المحتوى الذي قد يكون موضوع الإساءة.
وبينما تنتظر الشكاية ما قد تسفر عنه الإجراءات القانونية، يبقى من الضروري التعامل مع القضية بجدية ومسؤولية، دون استباق نتائج البحث أو إصدار أحكام بشأن أي طرف.
فالتحقق من الوقائع وتقييم الأدلة الرقمية وتحديد المسؤوليات مسائل تدخل ضمن اختصاص الجهات القضائية المختصة، مع ضمان حقوق جميع الأطراف واحترام قرينة البراءة.
وتعيد هذه القضية طرح سؤال جوهري حول المسؤولية في الفضاء الرقمي: كيف يمكن ضمان ممارسة حرية التعبير دون المساس بكرامة الآخرين، وكيف يمكن حماية الأطفال من أن يصبحوا ضحايا لخلافات أو ممارسات قد تترك آثاراً تتجاوز حدود الشاشة؟
إن كرامة الطفل ليست موضوعاً للسخرية، وحماية القاصرين في العالم الرقمي ليست خياراً ثانوياً، بل مسؤولية قانونية وأخلاقية ومجتمعية تستوجب اليقظة والتعامل المسؤول مع كل ادعاء يتعلق باستهدافهم، مع ترك الفصل في الوقائع والمسؤوليات للقضاء.













