بقلم الاستاذ : أحمد أرحموش فاعل أمازيغي
منذ أن كرس دستور المملكة المغربية لسنة 2011 الطابع الرسمي للأمازيغية، دخلت القضية الأمازيغية مرحلة تاريخية جديدة، انتقلت فيها من مطلب الاعتراف إلى استحقاق التنزيل الفعلي. غير أن مرور خمسة عشر عاماً على هذا التحول الدستوري يفرض اليوم إعادة تقييم المسار، والوقوف عند التحديات التي ما تزال تعترض تعميم استعمال الأمازيغية وإدماجها في مختلف مناحي الحياة العامة. فالإشكال لم يعد مرتبطاً بمكانة الأمازيغية في الدستور، بقدر ما أصبح مرتبطاً بمدى قدرة المؤسسات على تحويل هذه المكانة إلى سياسة عمومية متكاملة، واضحة الأهداف، محددة المسؤوليات، وقابلة للتقييم والمحاسبة.
وفي هذا السياق، يبرز مقترح إحداث مندوبية وزارية مكلفة بالأمازيغية باعتباره خياراً مؤسساتياً يستحق نقاشاً جاداً ومسؤولاً، بعيداً عن المقاربات الظرفية أو الشعارات التي لا تجد طريقها إلى التنفيذ. فالقضية الأمازيغية، بحكم امتدادها إلى قطاعات متعددة، تحتاج إلى رؤية شمولية تتجاوز حدود التدبير القطاعي، وتؤسس لتنسيق فعلي بين مختلف المتدخلين، بما يضمن الانسجام بين البرامج الحكومية ويحد من تشتت المبادرات والمسؤوليات.
إن الأمازيغية ليست ملفاً ثقافياً معزولاً، ولا شأناً لغوياً يقتصر على التعليم أو الإعلام، بل هي قضية وطنية ترتبط بالإدارة العمومية والعدالة والصحة والتشوير والخدمات الرقمية والثقافة والتكوين، فضلاً عن التنمية المجالية وتدبير المرافق العمومية. ولذلك، فإن تنزيل طابعها الرسمي يقتضي تعبئة مختلف القطاعات ضمن تصور موحد، يجعل احترام الحقوق اللغوية جزءاً من الممارسة اليومية للمؤسسات، وليس مجرد التزام دستوري معلن.
وتكمن إحدى الصعوبات الأساسية في أن تعدد المتدخلين لا يفضي بالضرورة إلى تحقيق الالتقائية المطلوبة. فقد تعمل كل وزارة وفق أولوياتها وبرامجها وإمكاناتها، لكن غياب التنسيق المركزي الفعال قد يجعل الجهود متفرقة، ويصعّب تحديد المسؤوليات وقياس النتائج. وهنا تبرز الحاجة إلى آلية مؤسساتية تتولى تنسيق السياسات المرتبطة بالأمازيغية، وتتبع تنفيذها، وتقييم أثرها، وتقديم صورة دقيقة عن مستوى التقدم المحرز ومواطن التعثر.
إن تعدد المؤسسات والبرامج لا ينبغي أن يكون مبرراً لتوزيع المسؤولية إلى الحد الذي تصبح معه المحاسبة صعبة، بل يجب أن يشكل أساساً لبناء منظومة متكاملة تتحدد داخلها أدوار كل جهة، وتترابط فيها الالتزامات بالنتائج.
إن التفكير في إحداث مندوبية وزارية مكلفة بالأمازيغية لا ينبغي أن ينطلق من الرغبة في إضافة جهاز إداري جديد، بل من الحاجة إلى معالجة اختلالات التنسيق والتتبع التي قد تعترض تنفيذ سياسة عمومية عابرة للقطاعات. فالمطلوب ليس إنشاء وزارة جديدة تنافس القطاعات الحكومية، وإنما إرساء مؤسسة تنسيقية تمتلك اختصاصات محددة، وتتوفر على الوسائل اللازمة لمواكبة تنفيذ الالتزامات المرتبطة بالطابع الرسمي للأمازيغية.
ومن هذا المنطلق، يمكن أن يشكل ارتباط هذه المندوبية برئاسة الحكومة خياراً مؤسساتياً جديراً بالدراسة، بالنظر إلى طبيعة المهام المنتظرة منها، وما تتطلبه من قدرة على التنسيق بين مختلف الوزارات والإدارات. فوجود آلية قريبة من مركز القرار من شأنه أن يساعد على توحيد الأولويات، وتعزيز الالتقائية، وتجاوز المقاربات المنعزلة، شريطة أن تكون لها صلاحيات واضحة في التتبع والتقييم ورفع التقارير إلى الجهات المختصة.
كما ينبغي أن تضطلع هذه المندوبية بمهمة إعداد رؤية استراتيجية مشتركة، تتضمن أهدافاً قابلة للقياس، ومؤشرات دقيقة لتقييم الأداء، وبرامج محددة زمنياً، مع تتبع الاعتمادات المالية المخصصة لمختلف الأوراش ذات الصلة. فنجاح السياسات العمومية لا يتوقف على إعلان النوايا، وإنما يتطلب وضوحاً في المسؤوليات، واستمرارية في التنفيذ، وآليات فعالة لرصد النتائج وتصحيح الاختلالات.
إن الاختبار الحقيقي لتنزيل رسمية الأمازيغية لا يوجد في النصوص وحدها، بل في مدى حضورها الفعلي داخل المؤسسات والخدمات التي يتعامل معها المواطن يومياً. فحين يتوجه المواطن إلى إدارة عمومية أو مؤسسة صحية أو مرفق قضائي، فإن جودة التواصل واحترام الحقوق اللغوية يشكلان جزءاً من جودة الخدمة العمومية ومبادئ الإنصاف وتكافؤ الفرص.
كما أن تطوير تدريس الأمازيغية وتوسيع حضورها في الإعلام، وتعزيز استعمالها في الإدارات والمرافق العمومية، وإدماجها في الخدمات الرقمية، كلها أوراش تحتاج إلى تخطيط متكامل وموارد بشرية مؤهلة وإمكانات مالية مناسبة. ولا يمكن تحقيق الانسجام المطلوب بينها من دون تنسيق مستمر يضمن التكامل بين البرامج القطاعية ويمنع تحولها إلى مبادرات متفرقة.
ومن هنا، فإن النقاش حول المندوبية المقترحة يجب أن يرتبط مباشرة بما يمكن أن تحققه على أرض الواقع. فالمواطن لا ينتظر مزيداً من الهياكل الإدارية بقدر ما ينتظر نتائج ملموسة، والأمازيغية لا تحتاج فقط إلى مؤسسات تعلن دعمها، بل إلى منظومة قادرة على تحويل هذا الدعم إلى ممارسة مؤسساتية مستدامة.
إن إحداث مندوبية وزارية مكلفة بالأمازيغية يقتضي تحديد علاقتها بالمؤسسات القائمة، وفي مقدمتها المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية والمجلس الوطني للغات والثقافة المغربية، وفق الاختصاصات التي يحددها الدستور والقوانين المنظمة لكل مؤسسة. فالغاية ليست تكرار الأدوار أو خلق تنافس مؤسساتي، وإنما بناء علاقة تكامل تسمح بالاستفادة من الخبرة العلمية والاستشارية، وربطها بآليات التنسيق التنفيذي وتتبع السياسات العمومية.
ولكي ينجح هذا التصور، ينبغي أن يستند إلى تشخيص موضوعي للحصيلة منذ دسترة الأمازيغية، مع تحديد ما تحقق وما تعثر، وتحليل أسباب التعثر، ثم ترتيب الأولويات وفق حاجيات المواطنين والإمكانات المتاحة. كما يتعين فتح المجال أمام الجامعات والباحثين ومكونات المجتمع المدني والجهات والجماعات الترابية للمساهمة في بلورة المقترحات وتتبع تنفيذها، بما يضمن أن تكون السياسة المعتمدة مستجيبة للتحولات الاجتماعية والاحتياجات الفعلية للمجتمع.
إن قوة أي مؤسسة لا تقاس باسمها أو بموقعها في الهيكل الإداري، بل بوضوح اختصاصاتها، وكفاءة مواردها البشرية، وقدرتها على تحقيق الأهداف المحددة لها. ولذلك، فإن إحداث المندوبية، إن تقرر، ينبغي أن يكون مقروناً بضمانات مؤسساتية ومالية وبشرية تجعلها أداة فعلية للتنسيق والتقييم، لا مجرد عنوان جديد يضاف إلى المشهد الإداري.
لا يمكن الحديث عن سياسة عمومية ناجعة للنهوض بالأمازيغية من دون توفير الموارد المالية والبشرية اللازمة، ووضع جدول زمني واضح لتنفيذ البرامج، وإرساء آليات دورية لتقييم النتائج. كما أن نشر تقارير دورية حول مستوى التقدم المحرز من شأنه تعزيز الشفافية، وتحديد مكامن الخلل، وتوفير معطيات موضوعية للنقاش العمومي والمؤسساتي.
ويظل البعد الترابي عنصراً أساسياً في هذا الورش، لأن تنزيل الطابع الرسمي للأمازيغية لا ينبغي أن يظل محصوراً في القرارات المركزية، بل يتعين أن ينعكس على مستوى الجهات والجماعات الترابية والإدارات المحلية، مع مراعاة خصوصيات المجالات وحاجيات السكان. فالمساواة في الحقوق اللغوية تقتضي ألا تتفاوت فرص الاستفادة من الخدمات العمومية بسبب اختلاف القدرات المؤسساتية أو الإمكانات المتاحة بين المجالات.
كما أن ضمان استمرارية هذه السياسة يقتضي ربطها بإطار استراتيجي واضح يتجاوز التقلبات الظرفية، ويجعل النهوض بالأمازيغية التزاماً مؤسساتياً مستمراً، يخضع للتقييم والمساءلة، ويستند إلى نتائج قابلة للقياس بدل الاكتفاء بالمبادرات الرمزية.
إن مرور خمسة عشر عاماً على دسترة الأمازيغية يشكل مناسبة لإعادة طرح سؤال النجاعة المؤسساتية بجدية ومسؤولية. فالمغرب قطع خطوة تاريخية حين كرس رسمية الأمازيغية في دستوره، لكن استكمال هذا المسار يقتضي اليوم التفكير في الآليات القادرة على ضمان التنزيل المتكامل، وتحويل الالتزام الدستوري إلى ممارسة فعلية داخل مختلف القطاعات والمرافق العمومية.
ومن هذا المنطلق، فإن إحداث مندوبية وزارية مكلفة بالأمازيغية يستحق أن يكون موضوع نقاش مؤسساتي جاد، يقوم على تقييم الحصيلة ودراسة البدائل وتحديد الصلاحيات والموارد والنتائج المنتظرة. فالمندوبية ليست غاية في حد ذاتها، وإنما وسيلة محتملة لمعالجة تشتت المسؤوليات وتعزيز التنسيق، على أن ترتبط فعاليتها بمدى قدرتها على تحقيق قيمة مضافة حقيقية في تدبير هذا الورش الوطني.
إن الرهان اليوم لم يعد مجرد التأكيد على مكانة الأمازيغية باعتبارها لغة رسمية ومكوناً أصيلاً من مكونات الهوية الوطنية، بل يتعلق ببناء سياسة عمومية متماسكة تجعل هذه المكانة واقعاً ملموساً في التعليم والإدارة والإعلام والصحة والعدالة ومختلف مجالات الحياة العامة.
فهل آن الأوان لفتح نقاش وطني حول إحداث مندوبية وزارية مكلفة بالأمازيغية، تكون قادرة على توحيد الجهود وتنسيق البرامج وربط المسؤولية بالمحاسبة، أم أن هذا الورش الدستوري سيظل رهين تدخلات قطاعية متفرقة، في انتظار آلية مؤسساتية تمنحه ما يستحقه من وضوح واستمرارية ونجاعة؟













