الحسين أولودي/باحث في الجغرافيا السياسية عضو المرصد الوطني للدراسات الاستراتيجية
لم تعد التحولات السياسية في جنوب إفريقيا شأنا داخليا محضا، بل أصبحت ذات أبعاد إقليمية ودوليةبالنظر إلى المكانة التي تحتلها بريتوريا داخل القارة الإفريقية ومواقفها من القضايا المرتبطة بالأمن والاستقرار والوحدة الترابية للدول.
وفي هذا السياق، يطرح صعود حزب “أومخونتو وي سيزوي” (MK)المرتبط بالرئيس الجنوب إفريقي السابق جاكوب زوما، تساؤلات حول مستقبل التوازنات الحزبية والسياسيةومدى انعكاسها على توجهات السياسة الخارجية، خصوصا في منطقة شمال أفريقيا.
لقد أظهرت انتخابات سنة 2024 بداية تراجع الهيمنة التاريخية لحزب المؤتمر الوطني الإفريقي ، الذي قاد البلاد منذ نهاية نظام الفصل العنصري، بعدما حصل على 159 مقعداً من أصل 400 في الجمعية الوطنية، مقابل 58 مقعداً لحزب “أومخونتو وي سيزوي” الذي يقوده جاكوب زوما. ومع اقتراب الانتخابات المحلية المقررة في 4 ننونبر 2026، تتجه الأنظار إلى مدى قدرة حزب زوما على توسيع قاعدته الانتخابية.
وتكمن أهمية هذا الصعود بالنسبة للمغرب في التحول الذي أعلنه زوما وحزبه بشأن قضية الصحراء المغربية فبعد أن ارتبط زوما تاريخيا بمواقف حزب المؤتمر الوطني الإفريقي الداعمة لجبهة البوليساريو، أعلن حزبه سنة 2025 دعمه للسيادة المغربية على الصحراء ولمبادرة الحكم الذاتي باعتبارها حلا سياسيا للنزاع.
كما دعا إلى استعادة العلاقات الدبلوماسية والتجارية بين المغرب وجنوب إفريقيا. ويعكس هذا الموقف تمايزا سياسيا واضحا عن توجهات الحزب الحاكم، لكنه يظل موقف حزب سياسي، ولا يعني في حد ذاته تغيير السياسة الرسمية للدولة الجنوب إفريقية.
أما مستقبل العلاقات المغربية الجنوب إفريقية( الذي عنوني به هذا النقال ) فيرتبط بمدى قدرة هذا التحول الحزبي على التأثير في النقاش السياسي والمؤسساتي داخل بريتوريا. فإذا عزز حزب زوما حضوره الانتخابي فقد تتسع مساحة الأصوات الداعية إلى مراجعة المقاربة التقليدية تجاه المغرب، وفتح آفاق جديدة للتعاون الاقتصادي والتجاري والاستثماري بين البلدين.
وفي زاوية اخرى فتطور العلاقات سيظل رهينا أيضا بمواقف باقي الأحزاب، وبالتوازنات داخل الحكومة والبرلمان، وبحسابات السياسة الخارجية الجنوب إفريقية(في عالم متغير وتغير مصالح الدول خاصةفي القارة الإفريقية. وقد كشفت زيارة زوما إلى الرباط في العام الماضي 2025 عن إمكانية فتح قنوات سياسية جديدة، رغم اعتراض وزارة العلاقات الدولية والتعاون الجنوب إفريقية على الطريقة التي استُقبل بها، معتبرة أنها قد توحي بأن الزيارة تحظى بصفة رسمية.
خلاصةالقول لا ينبغي قراءة صعود حزب زوما باعتباره تحولا نهائيا في موقف جنوب إفريقيا من قضية الصحراء المغربية، بل باعتباره مؤشرا على تعدد المواقف داخل المشهد السياسي الجنوب إفريقي وعلى تراجع احتكار حزب المؤتمر الوطني الإفريقي لتوجيه النقاش السياسي.
وتتمثل الفرصة أمام الدبلوماسية المغربية في تحويل هذا التعدد إلى جسور للحوار والتعاون، عبر الدبلوماسية الحزبية والاقتصادية والثقافية و دبلوماسية المجتمع المدني مع التركيز على المصالح المشتركة ومبادئ السيادة والوحدة الترابية والتنمية الإفريقية. فالمعيار الحقيقي لأي تحول ليس فقط نتائج الانتخابات، بل مدى انتقال المواقف السياسية المعلنة إلى سياسات ومبادرات مؤسساتية ملموسة.













