مافيا المخزن وتدمير الوطن: قراءة في أفكار الدكتور حسن أوريد

belkasse2 سبتمبر 2026آخر تحديث :
مافيا المخزن وتدمير الوطن: قراءة في أفكار الدكتور حسن أوريد

لم يعد الحديث عن الفساد في المغرب حديثا عن رشوة موظف صغير أو اختلاس في جماعة قروية. نحن أمام ما حذر منه الدكتور حسن أوريد في كتابه “من أجل ثورة ثقافية في المغرب”: تحول الفساد إلى بنية، والجريمة إلى سلطة، والمافيا إلى دولة داخل الدولة.

يقول أوريد، وهو الذي كان ناطقا باسم القصر وواليّا ومؤرخا للمملكة، أي شاهدا من الداخل لا من الخارج، إن المغرب عرف في بداية العشرية الأولى من القرن الحالي “ممارسات أقرب ما تكون إلى أساليب المافيا”. لم يتحدث عن انحرافات فردية، بل عن مشروع اختراق منظم: أشخاص لهم سوابق في الاتجار بالمخدرات وظفوا عناصر قريبة منهم، وشرعوا في شراء الذمم، ثم نفذوا إلى الجسم السياسي حتى اقتربوا من مراكز القرار.

هذه هي الفكرة المركزية في الكتاب: البنية الموازية. هناك دولة رسمية لها دستور وبرلمان وحكومة، وهناك فوقها بنية أخرى غير مرئية تعطي الأوامر فيُستمع إليها وتُطاع. بنية لا تنتخب ولا تحاسب، لكنها تتحكم في الصفقات والتراخيص والانتخابات والتعيينات. إنها مافيا بمعنى الكلمة، لأنها تستعمل نفس أدوات المافيا: الولاء الشخصي بدل الكفاءة، والمال القذر لشراء الصمت، والعنف الرمزي لإخافة المعارضين.

النتيجة التي يخلص إليها أوريد هي تدمير ممنهج للوطن من الداخل. فعندما تسيطر هذه البنية على دواليب الدولة، تتحول الإدارة من خدمة للمواطن إلى أداة للريع، ويتحول القضاء من ملاذ للمظلوم إلى سيف على رقاب الفقراء، وتتحول السياسة من تدبير للشأن العام إلى سوق للمزاد. الوطن لا يُحتل من الخارج، بل يُفرغ من الداخل.

لهذا دعا أوريد إلى “ثورة ثقافية”، لا إلى إصلاح تقني. لأن المشكلة في نظره ليست في قانون يجب تعديله، بل في عقلية يجب تغييرها: عقلية الخضوع، والزبونية، والبحث عن القرب من السلطة بدل بناء المؤسسات. ما لم تتفكك ثقافة المافيا هذه، فإن كل انتخابات وكل حكومة جديدة ستكون مجرد واجهة لبنية لا تتغير.

اليوم، ونحن نرى شبكات المخدرات تصل إلى البرلمان والجماعات، ورجال أعمال يتحولون إلى سياسيين ليحموا ثرواتهم، ومواطنين يُهجرون من بيوتهم باسم التنمية، نفهم أن تحذير أوريد لم يكن مبالغة مثقف، بل كان تشخيص طبيب رأى الورم في بدايته وحذر من انتشاره. الوطن الذي تسيطر عليه المافيا لا يموت دفعة واحدة، بل يموت كل يوم قليلا: في مدرسة بلا تعليم، ومستشفى بلا دواء، وشاب يركب قارب الموت لأن بلده لم يعد له

الاخبار العاجلة