ثمة شيء مقلق في المشهد السياسي المغربي الراهن، لا يتعلق فقط بما تقوله الأحزاب، وإنما بالطريقة التي اختارت أن تقول بها ما تقول، وبالوسائل التي أصبحت تعتمدها لاستمالة المواطن قبل أن تفتح صناديق الاقتراع أبوابها.
فالأحزاب التي يفترض أن تكون مدارس لتكوين النخب، ومختبرات لصناعة الأفكار والبرامج، ومؤسسات لتأطير المواطنين، تبدو في كثير من الأحيان وكأنها دخلت مبكرًا في موسم انتخابي مفتوح؛ تقدم مرشحيها، وتعرض وجوهها، وتستعرض قدرتها على الحشد، وتبني لنفسها صورة انتخابية قبل حلول موعد المنافسة، في مشهد يثير سؤالًا بسيطًا لكنه شديد الإحراج: أين تنتهي السياسة، وأين يبدأ خرق قواعدها؟
فالقانون لا يكتسب هيبته من نصوصه فقط، وإنما من المساواة في تطبيقه. وحين يرى المواطن أن بعض الممارسات التي يفترض أن تخضع للضوابط القانونية تمر بلا مساءلة، فإن الخطر لا يكمن فقط في المخالفة ذاتها، وإنما في الرسالة التي تنتج عنها: أن القانون يمكن أن يكون صارمًا مع من لا يملك النفوذ، ومرنًا مع من يملك مفاتيح اللعبة.
وهنا تبدأ الأزمة الحقيقية.
ثم تأتي التزكية الحزبية.
وما أدراك ما التزكية!
كان يفترض أن تكون التزكية اعترافًا سياسيًا بالكفاءة، والنزاهة، والقدرة على تمثيل المواطنين والدفاع عن مصالحهم. لكنها أصبحت، في نظر قطاع واسع من الرأي العام، أشبه بجواز مرور إلى البرلمان، تتداخل في منحها اعتبارات المال والنفوذ والعلاقات والقدرة على الحشد.
وحين تنتشر أخبار عن بيع التزكيات وشرائها، سواء ثبتت تفاصيلها في هذه الحالة أو تلك أم بقيت مجرد روايات متداولة، فإن مجرد انتشارها بهذا الحجم يكشف عن أزمة ثقة عميقة بين المواطن والمؤسسة الحزبية.
والأشد إثارة للقلق أن الوجوه التي تقدم أحيانًا باعتبارها تجديدًا للنخب ليست، في كثير من الحالات، سوى إعادة تدوير للمشهد نفسه: الوجوه ذاتها، العائلات ذاتها، الشبكات ذاتها، المصالح ذاتها، مع تغيير بسيط في الألوان والشعارات.
كأن السياسة عندنا لا تنتج نخبًا جديدة، وإنما تعيد إنتاج النخبة نفسها.
ثم نسأل بعد ذلك لماذا لا يتغير شيء.
لكن المسؤولية لا تقع كلها على الأحزاب.
فهناك طرف آخر في هذه المعادلة: الناخب.
ذلك المواطن الذي يشتكي صباحًا من الغلاء، ومن ضعف الخدمات، ومن البطالة، ومن المدرسة والمستشفى والإدارة، ثم يجد نفسه مساءً في الصفوف الأولى للقاء انتخابي، يصغي إلى الوعود ذاتها التي سمعها في الانتخابات السابقة، وربما التي سمعها قبلها أيضًا.
يصفق…يبتسم…يتناول وجبته….يرقص….
يتسلم ما تجود به المناسبة…
مقابل حضوره.. و خدماته للحزب …..
وفي اليوم التالي يعود إلى بيته ليكتشف أن الأسعار لم ترقص معه، وأن فاتورة الماء والكهرباء لم تتأثر بالتصفيق، وأن المستشفى لم يتحسن لأن مرشحًا وعد بذلك، وأن المدرسة لم تصبح أفضل لأن مهرجانًا انتخابيًا أقيم في الحي.
وهنا تصبح المسألة أكثر من مجرد فساد انتخابي محتمل.
إنها أزمة وعي سياسي.
فالانتخابات ليست مناسبة للحصول على وجبة، ولا فرصة للحصول على مبلغ عابر، ولا موسمًا لتبادل المجاملات. الانتخابات، في جوهرها، عقد سياسي بين المواطن ومن يطلب تمثيله.
والعقد الذي لا يتضمن حسابًا للماضي، لا يمكن أن ينتج مستقبلًا مختلفًا.
السؤال الذي ينبغي أن يطارد ضمير كل مرشح اليوم ليس: ماذا ستفعل؟
بل:
ماذا فعلت؟…كم وعدًا قطعت؟…
كم وعدًا نفذت؟….
كم قانونًا فهمت؟ كم قضية دافعت عنها؟
ما الذي تغير بسبب وجودك في البرلمان؟
وما الذي كنت ستفعله لو لم تكن الانتخابات على الأبواب؟
هذه هي الأسئلة التي تصنع المواطن الديمقراطي، لا عدد الولائم، ولا عدد الحافلات، ولا عدد الصور، ولا عدد الراقصين في الحملات الانتخابية.
أما الأحزاب، فعليها أن تجيب عن سؤال أكبر:
هل تريد أن تكون مؤسسات سياسية أم مجرد دكاكين انتخابية؟
فالحزب السياسي الحقيقي لا يبدأ عمله قبل الانتخابات بأسابيع، ولا ينتهي عمله بمجرد إعلان النتائج. الحزب مؤسسة للفكر والتأطير والتكوين والمساءلة وصناعة البدائل.
أما الحزب الذي لا يتذكر المواطن إلا عندما يحتاج إلى صوته، فإنه لا يمارس السياسة بقدر ما يمارس إدارة انتخابية للذاكرة الشعبية.
والأمر لا يتوقف عند الأحزاب والناخبين.
فالدولة نفسها أمام امتحان لا يقل أهمية.
لأن هيبة القانون لا تتجزأ، والديمقراطية لا تستقيم بمنطق الانتقاء. وإذا كانت المخالفات الانتخابية تُرى ولا تُحاسب، وإذا كانت بعض الممارسات تُترك حتى تصبح أمرًا مألوفًا، فإننا لا نُضعف فقط القانون الانتخابي، وإنما نُضعف ثقة المواطن في فكرة القانون نفسها.
وهذا أخطر بكثير…..
فالناس يمكن أن يتسامحوا مع سياسي كاذب، لكنهم يصعب أن يتسامحوا طويلًا مع دولة يرونها عاجزة عن تطبيق القواعد التي وضعتها بنفسها….
ومن هنا يبدو المشهد أكثر قتامة مما توحي به الألوان الانتخابية الصاخبة.
نحن أمام انتخابات قد تتحول، إذا استمرت هذه الممارسات، من آلية لاختيار الأفضل إلى آلية لإعادة إنتاج الموجود.
قد يتغير البرلمان، ولا يتغير شيء.
قد تتغير الوجوه، وتبقى الشبكات.
قد تتغير الشعارات، وتبقى المصالح.
وقد تتغير الحكومة، ويبقى المواطن في المكان نفسه.
وهنا تكمن المفارقة الكبرى: أن الديمقراطية قد تستمر في أداء طقوسها كاملة، بينما يتآكل مضمونها في صمت….
فالخطر على الديمقراطية ليس دائمًا انقلابًا على صناديق الاقتراع؛ أحيانًا يكفي أن تتحول الصناديق إلى واجهة، وأن يصبح الاختيار مرهونًا بالمال، وأن تصبح التزكية سلعة، وأن يتحول الناخب إلى زبون، والسياسي إلى بائع وعود، والحزب إلى وسيط، والبرلمان إلى محطة لإعادة إنتاج النفوذ.
عندها لن نكون أمام أزمة انتخابات فحسب…..
سنكون أمام أزمة نظام سياسي في علاقته بالمجتمع….
وما لا يبشر بالخير أن الأجيال الجديدة لا تراقب هذا المشهد بعين الناخب القديم؛ إنها ترى، وتقارن، وتقرأ، وتسأل، وتدرك بسرعة المسافة بين الخطاب والممارسة.
وإذا استمرت السياسة في مخاطبة المواطن باعتباره رقمًا انتخابيًا، بدل أن تخاطبه باعتباره مواطنًا كامل الحقوق والكرامة، فقد يأتي يوم لا تكون فيه المشكلة أن الناس اختاروا الاختيار الخطأ…
بل أن يفقدوا الرغبة أصلًا في الاختيار.
وحين يصل المواطن إلى تلك النقطة، لا يعود الخطر في أن يخسر حزبٌ الانتخابات.
الخطر أن تخسر الديمقراطية نفسها معناها في عيون الناس.
وعندها قد تبقى الصناديق موجودة..
وتبقى الملصقات معلقة…
وتبقى الخطب تُلقى..
وتبقى الولائم عامرة…
لكن شيئًا أساسيًا سيكون قد مات في الطريق: الثقة…..
والديمقراطية التي تفقد ثقة مواطنيها…
لا تسقط بالضرورة في يوم واحد؛….
قد تظل واقفة طويلًا….
لكنها تكون قد بدأت السقوط….
ان لم تكن قد سقطت فعلا ….
عزالدين الخو
# باحث في العلوم القانونية













