لم يعد خافياً على أحد من الشغيلة التعليمية في المغرب أن سلسلة فنادق ومنتجعات “زفير” (Zephyr)، التابعة لمؤسسة محمد السادس للأعمال الاجتماعية، أحدثت ثورة حقيقية في مفهوم الترفيه الموجه لرجال ونساء التعليم. فهذه المنشآت التي تحمل تصنيف الأربع نجوم، استطاعت بذكاء أن تكسر الصورة النمطية لمراكز الاصطياف القديمة والمتهالكة، لتقدم بديلاً سياحياً فاخراً ينافس بقوة كبريات الفنادق الاستثمارية في المملكة.
لكن، وكما يقال في المأثور الشعبي المغربي، “الزين ما يكملش“. هذا النجاح الباهر والإقبال القياسي تحولا مع مرور السنوات إلى مصدر إحباط سنوي لآلاف المنخرطين، لاسيما مع حلول فصل الصيف أو العطل المدرسية، حيث تتحول عملية الظفر بغرفة أو شقة فندقية داخل هذه المنتجعات إلى ما يشبه ضرباً من الخيال أو الفوز بقرعة “الهجرة العشوائية”.
طقوس يوم الحجز.. استنفار عائلي و”السيستم تبلوكا“
تخيل المشهد: الساعة تقترب من العاشرة صباحاً من يوم إطلاق الحجوزات الصيفية. في بيوت الآلاف من الأساتذة، تسود حالة استنفار قصوى لا تقل عن أجواء ترقب نتائج البكالوريا. الحواسيب مشغولة، الهواتف الذكية متصلة بأقوى شبكة إنترنت ممكنة، والأصابع ترتجف فوق زر التحديث (Refresh). يضغط الجميع في ثانية واحدة، والنتيجة الحتمية والمألوفة: “السيستم تبلوكا” (توقف النظام تماماً).
وبعد محاولات مريرة تستمر لنصف ساعة من المعارك مع شاشة التحميل، تفتح المنصة أخيراً، لكن فقط لتصدم المنخرط بعبارة جافة: “نعتذر، لقد تم حجز جميع الشقق والغرف للموسم الصيفي!”. هنا تبدأ موجة من التهكم والسخرية السوداء على مجموعات “الفيسبوك” التعليمية؛ حيث يخرج الأساتذة ليتساءلوا بمرارة: “من هم هؤلاء المحظوظون الذين يحجزون في كسر من الثانية؟ هل يملكون إنترنت من كوكب آخر؟”.
الأمر في الواقع لا يتعلق بمؤامرة، بل بمعادلة حسابية مستحيلة؛ فكيف لشبكة منتجعات تضم بضعة آلاف من الأسرة الموزعة بين “زفير تاركة” بمراكش، و”مازاغان” بالجديدة، وإفران، وأكادير، والمنتجعات الشاطئية الجديدة بمرتيل والسعيدية، أن تستوعب طوفاناً بشرياً قادماً من نصف مليون منخرط وعائلاتهم؟ هذا الفارق الشاسع جعل إجراءات المؤسسة – مثل تسقيف الإقامة في 4 ليالٍ فقط أو حرمان من استفاد العام الماضي – تبدو مجرد مسكنات موقتة لأزمة بنيوية مستمرة.
غلاء الأسعار الخارجية يعمق الأزمة
السبب الحقيقي وراء هذا “القتال” الشرس على الحجوزات هو الفارق المادي المهول الذي يمس جيب رجل التعليم بشكل مباشر. نحن نتحدث عن شقق فندقية مجهزة بالكامل ونظيفة مع مسابح وفضاءات ترفيهية بأسعار مدعمة تتراوح بين 200 و500 درهم لليلة الواحدة.
في المقابل، لو فكر الأستاذ في التوجه إلى القطاع السياحي الخاص في مدن مثل مرتيل أو السعيدية خلال شهر غشت (أغسطس)، فسيصطدم بجشع “سماسرة الشقق” وأسعار خيالية لا تقل عن 1000 أو 1500 درهم لليلة لشقة عادية جداً في عمارة سكنية تفتقر لأبسط شروط الراحة. بالتالي، تظل “زفير” هي الملاذ الوحيد المتبقي للحفاظ على الكرامة والقدرة الشرائية لأسرة التعليم، ومكافأة الأبناء على نجاحهم الدراسي دون الغرق في الديون.
معضلة المسابح.. الرسوم الإضافية التي تفجر الجدل
إلى جانب كابوس الحجز المسبق، تبرز في الآونة الأخيرة إشكالية ميدانية أخرى أثارت الكثير من القيل والقال وسط المستفيدين، وتتعلق بشروط ولوج المسابح داخل هذه المنتجعات، والتي يعتبرها الكثيرون “النقطة التي أفاضت الكأس”.
يروي أحد الأساتذة تجربته بمرارة قائلاً: “قطعت مئات الكيلومترات ووفقت في حجز شقة لاسرتي الصغيرة خارج منتجع زفير بمرتيل لانني لم اوفق على المنصة و قلت على الاقل يجب ان تستفيد اسرتي المكونة من 5 افراد من الولوج للمسابح لكنني فوجئت بالرسوم المرتفعة بالنسبة للمنخرطين و هي تتراوح بين 80 درهما للكبارو50 درهما للصغار مع ضرورة الحجز المسبق ما يعني انني مطالب باداء مبلغ 310 درهم ان اردت الولوج للمسابح التابعة لمنتجع زفير و هو ما يتجاوز امكانياتي “
هذه “الفلسفة التنظيمية” تعاني منها فئتان:
ورغم أن إدارة المنتجعات تبرر هذه الإجراءات “الصارمة” برغبتها التنظيمية في حماية سلامة النزلاء ومنع الاكتظاظ الخانق الذي قد يحول المسابح الفاخرة إلى “شواطئ شعبية عشوائية”، إلا أن المنخرط يرى في هذه الرسوم الإضافية نوعاً من التضييق المالي الجشع، خصوصاً في مؤسسة تمول أساساً من اقتطاعات الشغيلة التعليمية الشهرية طيلة مسارهم المهني.
موازنة صعبة بين الطموح والواقع
في نهاية المطاف، لا يمكن إنكار أن منتجعات “زفير” هي مفخرة حقيقية لـ “مؤسسة محمد السادس” ونموذج يحتذى به في جودة الخدمات. لكن هذا النجاح سيبقى دائماً منقوصاً ومحاطاً بآهات المنخرطين ما لم يتم التفكير في حلول أكثر جرأة واستدامة.
إن الحل ليس في تحسين كفاءة “السيرفر” يوم الحجز، بل في مواصلة توسيع الشبكة الفندقية لتشمل مدناً أخرى، أو ابتكار صيغ شراكة ودعم مع فنادق خاصة لتوفير تخفيضات مماثلة لرجال التعليم خلال فترات الذروة،كذلك يجب عدم فتح الولوج لخدمات هذه المنتجعات لغير المنخرطين حتى لا تظل العطلة الصيفية الفاخرة امتيازاً محتكراً على من يسعفه “الحظ الرقمي” وبضع نقرات سريعة على شاشة الحاسوب.













