من المهجر إلى الوطن.. ندوة بمهرجان واحة تمنارت تفتح نقاشاً عميقاً حول دور الجالية في صناعة التنمية

عبدالرحيم ادبلقاسمنذ 42 دقيقةآخر تحديث :
من المهجر إلى الوطن.. ندوة بمهرجان واحة تمنارت تفتح نقاشاً عميقاً حول دور الجالية في صناعة التنمية

المساء نيوز  – عبدالرحيم إدبلقاس 

احتضنت القاعة المتعددة الاختصاصات بمقر الجماعة الترابية تمنارت، يوم السبت 8 غشت 2026، ندوة فكرية ضمن فعاليات الدورة الثانية من مهرجان واحة تمنارت، وذلك في إطار “أسبوع المهاجر” الذي تنظمه جمعية أصدقاء الواحة بتنسيق مع جمعية أسول بفرنسا، تحت شعار: ” من المهجر إلى الوطن… معا من أجل التنمية المستدامة وتعزيز الارتباط بالوطن “.

وشكلت الندوة محطة فكرية متميزة لفتح نقاش جاد حول العلاقة بين أبناء المنطقة المقيمين بالخارج ووطنهم الأم، والبحث في السبل الكفيلة بتحويل هذا الارتباط إلى مساهمة فعلية في التنمية المحلية، خصوصاً في منطقة تمنارت وإقليم طاطا، اللذين يزخران بمؤهلات طبيعية وثقافية واقتصادية يمكن أن تشكل أرضية خصبة لمبادرات استثمارية وتنموية واعدة.

ولم يقتصر اللقاء على الاحتفاء بأبناء الإقليم المقيمين بالمهجر، وإنما حاول مقاربة موضوع الهجرة من زاوية تنموية، من خلال طرح سؤال أساسي حول كيفية الانتقال من العلاقة التقليدية القائمة على التحويلات المالية والدعم الأسري إلى نموذج جديد يجعل من المهاجر شريكاً في الاستثمار وخلق فرص الشغل وتثمين الموارد المحلية.

وعرفت الندوة حضور عدد من الأساتذة والباحثين والمهتمين بالشأن المحلي، حيث قدمت مجموعة من المداخلات التي قاربت الموضوع من زوايا تاريخية واجتماعية واقتصادية، وساهمت في إثراء النقاش حول مستقبل المنطقة ودور أبنائها المقيمين بالخارج في مواكبة أوراش التنمية.

وفي مستهل أشغال اللقاء، قدم الأستاذ إبراهيم أگوزال مداخلة استعرض خلالها جوانب من التاريخ العريق لمنطقة تمنارت، متوقفاً عند عدد من المحطات التي ساهمت في تشكيل خصوصيتها الثقافية والاجتماعية، ومبرزاً أهمية الذاكرة المحلية في الحفاظ على الهوية وربط الأجيال الجديدة بجذورها.

وأكدت المداخلة أن التنمية لا يمكن أن تنفصل عن خصوصيات المجال وتراثه، وأن تثمين الرصيد التاريخي والثقافي للواحة يمكن أن يشكل أحد المداخل الأساسية لبناء نموذج تنموي قادر على الجمع بين الحفاظ على الهوية والانفتاح على المستقبل.

من جانبه، تناول الأستاذ امحند بلوش موضوع الدور التنموي للمهاجر في مجاله المحلي، مسلطاً الضوء على الإمكانات التي يمثلها أبناء المنطقة المقيمون بالخارج، سواء من حيث الموارد المالية أو الخبرات المهنية والتجارب التي راكموها داخل بلدان الإقامة.

وشدد النقاش في هذا السياق على أن الجالية يمكن أن تضطلع بأدوار تتجاوز المساهمة المالية التقليدية، لتتحول إلى قوة اقتراحية واستثمارية قادرة على دعم المشاريع المحلية والمساهمة في خلق الثروة وفرص الشغل، خاصة إذا توفرت الظروف الملائمة والمواكبة الضرورية.

أما الأستاذ عبد الحميد انجارن، فقد قدم قراءة سوسيولوجية تناولت بشكل معمق إكراهات الاستثمار المنتج للمهاجرين، وتوقفت عند عدد من الصعوبات التي قد تواجه أبناء المنطقة الراغبين في إطلاق مشاريع استثمارية بواحة تمنارت.

كما سلط الضوء على أهمية تثمين المنتوج المحلي، باعتباره أحد المجالات التي يمكن أن تشكل رافعة حقيقية للتنمية، خصوصاً في ظل ما تزخر به المنطقة من منتجات ومؤهلات فلاحية ومجالية وتراثية.

وفتح النقاش الذي أعقب المداخلات المجال أمام المشاركين لطرح مجموعة من التساؤلات المرتبطة بمناخ الاستثمار، والمساطر الإدارية، وسبل مواكبة المستثمرين من أبناء المنطقة، إضافة إلى ضرورة توفير آليات أكثر فعالية للتواصل بين الجالية والمؤسسات والفاعلين المحليين.

وأجمع المتدخلون على أن تعزيز مساهمة المهاجرين في التنمية يقتضي بناء علاقة جديدة تقوم على الثقة والتواصل المستمر، وعلى توفير المعلومات والفرص الاستثمارية أمام أبناء المنطقة في الخارج، مع تسهيل المساطر وتوفير المواكبة التقنية والإدارية اللازمة.

وفي هذا الإطار، خلصت الندوة إلى مجموعة من التوصيات العملية، من بينها الدعوة إلى إرساء شراكات دائمة بين جمعيات المهاجرين والمجالس المنتخبة والمصالح المكلفة بالفلاحة على المستويين الجهوي والإقليمي، بما يسمح بتنسيق الجهود وتوجيه المبادرات نحو القطاعات ذات الأولوية.

كما تم التأكيد على أهمية تبسيط المساطر المرتبطة بالاستثمار وإحداث شباك موحد خاص باستثمارات المهاجرين، بهدف تسهيل الإجراءات وتوفير المعلومة والمواكبة للراغبين في الاستثمار بالمنطقة.

وفي الجانب المرتبط بالاقتصاد المحلي، دعت التوصيات إلى العمل على تثمين المنتوجات المحلية عبر التعاونيات، وتعزيز قدراتها في مجالات الجودة والتعبئة والتسويق، مع الانفتاح بشكل أكبر على التسويق الرقمي والاستفادة من الوسائل الحديثة للوصول إلى أسواق وطنية ودولية.

كما تم التأكيد على أهمية التكوين المستمر لفائدة أعضاء التعاونيات، خصوصاً في مجالات التدبير والتسويق والتجارة الإلكترونية، بما يسمح بتحسين القدرة التنافسية للمنتجات المحلية وتحويلها إلى منتجات قادرة على خلق قيمة مضافة حقيقية للمنطقة.

ومن بين المقترحات التي حظيت باهتمام خلال اللقاء، الدعوة إلى إنشاء منصة رقمية للتواصل مع أبناء تمنارت المقيمين بالخارج وبمختلف المدن المغربية، تكون فضاءً لتبادل المعلومات حول المشاريع والفرص الاستثمارية والمبادرات التنموية، وتساهم في الحفاظ على التواصل الدائم بين المنطقة وأبنائها.

كما تمت الدعوة إلى تنظيم دورات تكوينية لفائدة المهاجرين العائدين، خصوصاً في مجالات المقاولة والاستثمار المنتج، بهدف مساعدتهم على تحويل خبراتهم وتجاربهم المهنية إلى مشاريع اقتصادية واجتماعية قابلة للاستمرار.

وتأتي هذه التوصيات في سياق متزايد الأهمية، حيث بات الرهان على الجالية لا يرتبط فقط بما تقدمه من تحويلات مالية، وإنما أيضاً بما تتوفر عليه من كفاءات وخبرات وتجارب وشبكات علاقات يمكن توظيفها لخدمة التنمية المحلية.

وفي حالة تمنارت، يبدو هذا الرهان أكثر ارتباطاً بضرورة تثمين المؤهلات التي تزخر بها الواحة، والبحث عن مشاريع قادرة على خلق فرص الشغل، ودعم الشباب، وتطوير الاقتصاد المحلي، والحفاظ في الوقت نفسه على الخصوصية البيئية والثقافية للمنطقة.

كما أبرزت الندوة أن نجاح أي استراتيجية لإشراك أبناء المهجر في التنمية يظل رهيناً بتوفير بيئة استثمارية محفزة، تقوم على الوضوح وتبسيط المساطر والشفافية والمواكبة، إلى جانب إشراك الجالية في التفكير في المشاريع التي تتلاءم مع حاجيات المنطقة وإمكاناتها الحقيقية.

وبذلك، شكلت ندوة “من المهجر إلى الوطن” محطة مهمة ضمن فعاليات مهرجان واحة تمنارت، بعدما نقلت النقاش حول الهجرة من بعدها الاجتماعي والعاطفي إلى بعدها التنموي والاستثماري، وفتحت المجال أمام تصور جديد يجعل من أبناء المنطقة المقيمين بالخارج شركاء محتملين في بناء مستقبل الواحة.

فالرهان اليوم لا يتمثل فقط في الحفاظ على ارتباط المهاجر بوطنه، وإنما في تحويل هذا الارتباط إلى مبادرات ملموسة ومشاريع مستدامة تساهم في خلق الثروة وتحسين ظروف العيش وتعزيز جاذبية المنطقة، بما يجعل من شعار “من المهجر إلى الوطن” رؤية عملية تتجاوز حدود الاحتفاء الرمزي نحو شراكة حقيقية في التنمية.

الاخبار العاجلة