سبتة .. الهجرة الجماعية محاكمة صامتة للسياسات العمومية

عبدالرحيم ادبلقاسمنذ ساعة واحدةآخر تحديث :
سبتة .. الهجرة الجماعية محاكمة صامتة للسياسات العمومية

المساء نيوز – متابعة : نورالدين اعابد

بينما يواصل المغرب استعداداته لاستضافة أكبر تظاهرة كروية في العالم سنة 2030 إلى جانب إسبانيا والبرتغال، ويعمل على تقديم نفسه كوجهة للاستثمار والسياحة والتنظيم الرياضي، جاءت مشاهد الحشود البشرية التي اندفعت نحو معبر سبتة لتصنع صورة مغايرة، سرعان ما اجتاحت وسائل الإعلام العالمية ومنصات التواصل الاجتماعي، وأثارت تساؤلات عميقة حول الأسباب التي دفعت آلاف المغاربة، من مختلف الأعمار، إلى المجازفة بكل شيء أملاً في عبور بضعة أمتار تفصلهم عن الضفة الأخرى.

قبل أشهر فقط، أبهر المغرب العالم خلال نهائيات كأس الأمم الإفريقية بصورة شعب متماسك، وتنظيم متميز، وجماهير صنعت لوحات حضارية نالت احترام الجميع. كانت تلك الصورة تعكس بلداً يسير بثقة نحو المستقبل ويستعد لاحتضان أحداث رياضية عالمية كبرى. غير أن صور الرجال والنساء والأطفال وهم يتدفقون جماعات نحو سبتة، بعضهم يحمل رضيعه، وآخر يحمل والدته على ظهره، وشخص من ذوي الاحتياجات الخاصة يزحف نحو الحدود، بدت وكأنها تمحو في لحظات جانباً من ذلك الرصيد المعنوي الذي بناه المغرب أمام الرأي العام الدولي.

إن هذه المشاهد لا ينبغي أن تُقرأ فقط من زاوية الهجرة غير النظامية أو من منظور أمني، بل هي قبل كل شيء تعبير عن أزمة ثقة يعيشها جزء من الشباب في قدرة الواقع على تحقيق أحلامه. فحين يقتنع آلاف الشباب بأن مستقبلهم يوجد خارج الوطن، فإن السؤال الحقيقي لا يتعلق بكيفية وصولهم إلى الحدود، وإنما بما دفعهم إلى التفكير في الرحيل أصلاً.

وفي مثل هذه المحطات، تصبح المسؤولية السياسية والأخلاقية للأحزاب والمنتخبين والحكومة محل نقاش مشروع. فالتنمية المحلية، وخلق فرص الشغل، ومحاربة الهشاشة، وتقليص الفوارق الاجتماعية، ليست مجرد شعارات انتخابية، بل التزامات يفترض أن تنعكس على حياة المواطنين. وإذا كان من الطبيعي أن تتداخل في ظاهرة الهجرة عوامل اقتصادية واجتماعية وإقليمية، فإن ذلك لا يعفي الفاعلين السياسيين من تقييم السياسات العمومية والوقوف على مكامن الخلل.

كما أن توقيت هذه الأحداث يطرح أكثر من علامة استفهام، في ظل الحركية الدبلوماسية التي تعرفها المنطقة، خاصة مع تنامي التقارب الإسباني الجزائري في بعض الملفات. ورغم أن الربط المباشر بين هذه التحركات وما وقع في سبتة يحتاج إلى معطيات موثقة ولا يجوز الجزم به دون أدلة، فإن المؤكد هو أن أي مشهد بهذا الحجم يجد صداه سريعاً في النقاشات السياسية والإعلامية خارج الحدود، ويؤثر على صورة البلد في لحظة دقيقة يستعد فيها لاستقبال أنظار العالم.

إن استعادة ثقة الشباب لا تتم عبر الخطابات ولا عبر الإجراءات الظرفية، وإنما من خلال سياسات عمومية تجعل المواطن يشعر بأن له مكاناً في وطنه، وأن الكفاءة تكافأ، وأن فرص النجاح ليست حكراً على فئة دون أخرى. فالوطن الذي يمنح الأمل لأبنائه لا يدفعهم إلى البحث عن مستقبلهم خلف الأسلاك الشائكة.

لقد أثبت المغرب في أكثر من مناسبة قدرته على كسب الرهانات الكبرى، لكن الحفاظ على الصورة الإيجابية لا يتحقق فقط بالملاعب الحديثة والبنيات التحتية والمواعيد الرياضية الدولية، بل يتحقق أيضاً بقدرة الدولة ومؤسساتها على تحويل التنمية إلى واقع يلمسه المواطن في حياته اليومية. فالمعركة الحقيقية ليست فقط في تنظيم كأس العالم، وإنما في أن يكون كل شاب مغربي مقتنعاً بأن مستقبله يمكن أن يصنعه داخل وطنه، لا على أبواب سبتة.

الاخبار العاجلة