حين تتحول الخرافة إلى “عيادة رقمية”.. كيف غزت الشعوذة منصات التواصل الاجتماعي؟

عبدالرحيم ادبلقاس11 يوليو 2026آخر تحديث :
حين تتحول الخرافة إلى “عيادة رقمية”.. كيف غزت الشعوذة منصات التواصل الاجتماعي؟

المساء نيوز – خيي محمد

في الوقت الذي يشهد فيه العالم ثورة غير مسبوقة في مجالات الطب والتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، تتوسع على الضفة الأخرى ظاهرة لا تقل خطورة عن الأمراض نفسها، وهي ظاهرة الدجل والشعوذة التي وجدت في منصات التواصل الاجتماعي فضاءً خصباً للانتشار واستقطاب الآلاف من الضحايا.
لم يعد المشعوذ يجلس في غرفة مظلمة أو في زاوية نائية كما كان في الماضي، بل أصبح يمتلك صفحة على “فيسبوك” أو قناة على “تيك توك” أو حساباً على “إنستغرام”، يبث من خلالها جلسات مباشرة ويقدم نفسه على أنه معالج روحاني، أو خبير في فك السحر، أو مسخر للجن، أو معالج بالطاقة، أو حتى مستشار في جذب المال والحب والنجاح.
حين يغيب العلم… تحضر الخرافة
ارتبط العلاج عبر التاريخ بالعلم والتجربة، وبالمؤسسات الطبية التي تخضع للبحث والرقابة والتقييم العلمي. غير أن ضعف الوعي الصحي والنفسي لدى فئات من المجتمع، إلى جانب صعوبة الولوج أحياناً إلى خدمات العلاج، فتح الباب أمام انتشار ممارسات لا تستند إلى أي دليل علمي.
ويؤكد مختصون أن الفراغ الذي يتركه ضعف الثقافة العلمية غالباً ما تملؤه الخرافة، فيتحول الوهم إلى علاج، وتصبح الأسطورة بديلاً عن الطب.
مشعوذون بأسماء أسطورية
خلال السنوات الأخيرة، ظهرت حسابات تقدم نفسها بألقاب غريبة من قبيل “أولاد عيشة” أو “شمهروش” أو غيرها من الأسماء المرتبطة بالموروث الشعبي والأساطير، مدعية القدرة على تسخير الجن، وجلب الحبيب، وفك السحر، ورد المطلقة، وفتح أبواب الرزق، مقابل مبالغ مالية قد تصل إلى آلاف الدراهم.
وتستهدف هذه الحسابات الأشخاص الذين يعيشون أزمات نفسية أو اجتماعية أو عاطفية، مستغلة حاجتهم إلى الأمل، لتتحول معاناتهم إلى مصدر للربح.
الرقية الشرعية… بين المشروع والاستغلال
في المقابل، برزت أعداد كبيرة ممن يطلقون على أنفسهم “رقاة شرعيين”، بعضهم يمارس الرقية وفق الضوابط الدينية، بينما يحولها آخرون إلى تجارة قائمة على ترهيب الناس وإقناعهم بأن كل فشل أو مرض أو اضطراب سببه السحر أو العين أو المس.
ويحذر مختصون من أن تعميم هذه التفسيرات قد يؤدي إلى تأخير العلاج الطبي أو النفسي، ويزيد من معاناة المرضى بدل مساعدتهم.
العلاج بالطاقة… نسخة جديدة من الخرافة
ولم تعد الشعوذة تقتصر على الحديث عن الجن والسحر، بل ظهرت بأساليب أكثر حداثة تستهدف فئات متعلمة، تحت عناوين مثل “العلاج بالطاقة”، و”فتح الشاكرات”، و”جذب الثراء”، و”برمجة العقل”، و”قانون الجذب”، وهي ممارسات تستند في كثير من الأحيان إلى معتقدات روحية أو فلسفية لا تحظى بإجماع علمي، ويجري تسويق بعضها على أنه بديل للعلاج النفسي أو الطبي دون وجود أدلة علمية تثبت فعاليتها في علاج الأمراض.
كما انتشرت دورات “الكوتشينغ” التي يخلط بعض ممارسيها بين التنمية الذاتية والادعاءات العلاجية، مستغلين حاجة البعض إلى تحسين حياتهم أو تجاوز أزماتهم.
من يحمي الضحايا؟
ويرى متابعون أن انتشار هذه الظاهرة يعكس الحاجة إلى تعزيز التوعية العلمية والصحية، وتشديد الرقابة على المحتوى الذي يتضمن ادعاءات علاجية مضللة أو ممارسات قد تستغل الأشخاص في أوضاع هشّة.
كما يؤكدون أن مواجهة الظاهرة لا تكون فقط بالإجراءات القانونية، بل أيضاً بنشر الثقافة العلمية، وتحسين الولوج إلى خدمات الصحة الجسدية والنفسية، حتى لا يجد المواطن نفسه مضطراً للبحث عن العلاج في “عيادات رقمية” يديرها أشخاص يفتقرون إلى التأهيل العلمي.
_______
بين الطب القائم على الدليل العلمي، والخرافة التي تتغذى على الخوف واليأس، يقف آلاف الأشخاص ضحايا لوعود زائفة يصنعها محترفو الدجل عبر الشاشات. وفي زمن الثورة الرقمية، تبدو المعركة اليوم ليست فقط ضد المشعوذين، بل أيضاً ضد الجهل، والتضليل، واستغلال هشاشة الإنسان لتحقيق الربح على حساب صحته وكرامته.

الاخبار العاجلة