عاشوراء المغرب.. حكاية يرويها الماء وتعزفها “الطعريجة

عبدالرحيم ادبلقاس26 يونيو 2026آخر تحديث :
عاشوراء المغرب.. حكاية يرويها الماء وتعزفها “الطعريجة

المساء نيوز – ليلى بهلولي

​يمثل يوم العاشر من شهر محرم محطة إيمانية وتاريخية بارزة في العالم الإسلامي؛ فهو اليوم الذي نجى الله فيه نبيه موسى -عليه السلام- من بطش فرعون، ليصبح صيامه سنة مستحبة ذات فضل عظيم عند أهل السنة والجماعة. وتتجلى هذه المكانة الروحية فيما رواه البخاري عن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: «قدم النبي ﷺ المدينة فرأى اليهود تصوم يوم عاشوراء فقال: ما هذا؟ قالوا: هذا يوم صالح، هذا يوم نجى الله بني إسرائيل من عدوهم فصامه موسى، قال: «فأنا أحق بموسى منكم، فصامه وأمر بصيامه». وإلى جانب أبعادها التاريخية، يحمل صيام هذا اليوم جَزاءً روحياً غامراً، إذ يكفر ذنوب سنة كاملة مضت، مصداقاً
لما صح عنه ﷺ أنه سئل عن صوم عاشوراء فقال: يكفر الله به السنة التي قبله.

​وانطلاقاً من هذا العمق الإيماني الرحب، تكتسي احتفالات عاشوراء في المملكة المغربية طابعاً استثنائياً يمتزج فيه البعد الديني بالعمق الثقافي المحلي، لتشكل لوحة احتفالية فريدة تختلف تفاصيلها وطقوسها عن بقية حواضر العالم الإسلامي. فالمغاربة يرون في هذه المناسبة محطة دينية و موعداً سنوياً تتجدد فيه أواصر التكافل الاجتماعي، وتنتعش معه عادات شعبية متجذرة في الوجدان الجماعي، تؤثثها أهازيج الفرح، وحركية الأسواق، وحيوية الأزقة.

​وفي قلب هذه الفرحة الجماعية، برزت في الآونة الأخيرة ظاهرة تكافلية مبهجة تعرف بـ “حق بابا عيشور”. وخلال هذا الطقس، يجوب الأطفال الأزقة والدروب مرتدين أقنعة وأزياء تنكرية ملونة، لينتقلوا من بيت إلى آخر يطرقون الأبواب بترديد سؤالهم الشهير: «حق بابا عيشور؟»؛ وهي المبادرة الطفولية التي تقابلها الأسر بترحيب واسع، حيث يستعد السكان مسبقاً بشراء كميات وفيرة من الحلوى، والفواكه الجافة، وتوفير النقود، لتقديمها للصغار كمظهر من مظاهر الجود وإدخال السرور على قلوبهم.

​وتمتد هذه البهجة السنوية للاحتفال لتشمل طقوساً مائية فريدة؛ حيث يحمل يوم العاشر من محرم في الذاكرة المغربية اسماً مرادفاً هو “يوم زمزم”. وفي هذا اليوم، يتحول الماء إلى بطل المشهد بلا منازع، فتنطلق شرارة المرح مع الخيوط الأولى للصباح، حيث يعمد أول المستيقظين إلى رش بقية أفراد العائلة بالماء البارد، وسرعان ما ينتقل هذا العرف الاجتماعي إلى الشوارع والأحياء الشعبية، لتتحول الأزقة إلى ساحات تضج بـ معارك مائية ودية ومرحة بين الأصدقاء والجيران والمارة، في جو يسوده الضحك والحيوية.

​وعلى نقيض هذا الصخب المدني المرح، يأخذ الماء في البوادي والأرياف المغربية بعداً روحياً يتصل بالبركة والنماء؛ فمع تباشير الفجر وقبل شروق الشمس، يسارع الفلاحون وربات البيوت إلى رش كل ممتلكاتهم بالماء البارد، بدءاً من قطعان الغنم والبقر، وصولاً إلى مخازن الحبوب وجرار الزيت والسمن. ويرتبط هذا السلوك بمعتقد يتوارثه الأجداد، يؤكد أن الاستيقاظ الباكر والنشاط في هذا اليوم يطرد الكسل طوال العام، وأن كل ما يمسه الماء في “زمزم” ينمو وتبارك خطاه، فيما قد يواجه ما لم يمسه ماء خطر الضياع أو المحق.

​هذا الانتعاش الاجتماعي والروحي ينعكس بشكل ملموس على الاقتصاد المحلي وحركة التجارة؛ إذ تشهد الأسواق رواجاً استثنائياً يسعى من خلاله التجار إلى رفع وتيرة البيع والشراء مستبشرين ببركة المناسبة، مما يدفعهم إلى تخفيض الأسعار وبذل قصارى جهدهم لتشجيع الزبائن، إيماناً منهم بأن حركة البيع في هذا اليوم تؤثر إيجاباً على تجارتهم بقية العام. والمثير للانتباه أن هذه الأسواق التي تغص بالبشر والسلع نهاراً، تفرغ تماماً بحلول المساء لتدخل في اليوم الموالي في سبات تام وعطلة اختيارية؛ ويعود ذلك إلى عرف تجاري قديم يصنف يوم الحادي عشر من محرم بيوم “الهبا والربا”، حيث يعتقدون أن أي ربح يجنى فيه ممحوق البركة ولا طائل منه.

​وفي خضم هذه الاحتفالات، تظل عاشوراء المغربية مرادفة بامتياز لقيم الفرح واللعب، حيث تتربع “الطعريجة” المغربية (الآلة الإيقاعية الطينية التقليدية) كرمز تاريخي ونجمة احتفالات هذه الذكرى. فمنذ دخول شهر محرم، تسارع الأسر إلى اقتناء هذه الآلات الموسيقية العريقة، لتجتمع النساء والأطفال في الأمسيات مرددين أهازيج شعبية وتراثية مفعمة بالحياة، تثبت أن عاشوراء جسر متين يربط قدسية العبادة ببهجة الاحتفال.

​بالمقابل، يبرز في خضم هذه الأجواء الاحتفالية الراقية جانب مظلم يخدش قدسية المناسبة ونقاء موروثها؛ حيث يستغل بعض الأشخاص حركية الأسواق وازدحامها لممارسة أعمال السحر والشعوذة، متخذين من هذه الأيام المباركة مطية لإيذاء الآخرين، والانتقام منهم، والنيل من استقرار العائلات بدافع الحقد والضغينة. وأمام هذه السلوكات الدخيلة والخطيرة، يطلق الفاعلون والغيورون نداء يدعو إلى رفع منسوب الوعي الاجتماعي ومحاربة هذه الممارسات الشيطانية؛ فإيذاء المسلم لأخيه المسلم والتعدي على حرمته وظلمه يعد من الكبائر المقيتة التي تورد صاحبها موارد الهلاك. لقد آن الأوان ليطهر المجتمع نفسه من سموم الحقد والحسد، ويستبدلها بقيم التسامح، والمحبة.

الاخبار العاجلة