المساء نيوز – موسى حمنگاري
أخي الصغير رحل إلى دار البقاء، وهذا قدر الله الذي لا راد لقضائه، لكن ما يؤلمني ويؤلمني أكثر من الفقد نفسه هو أن هناك أسئلة مؤلمة ما تزال تبحث عن أجوبة.
ليلة الحادث، انتظرنا سيارة الإسعاف لما يقارب الساعتين دون جدوى، ساعتين كاملتان بين الأمل والخوف، بين الحياة والموت، والأكثر إيلاما أنني بصفتي صحفيا ميدانيا، سبق لي أن كتبت أكثر من مرة عن مشكل غياب سيارة الإسعاف بجماعة إزناكن بإقليم ورزازات، ونقلت شكاوى الساكنة ومعاناتها، لكن لم يكن هناك أي تجاوب حقيقي مع هذا الملف.
في تلك الليلة لم أكن صحفيا ينقل معاناة الآخرين، بل كنت أخا يراقب شقيقه وهو يصارع الموت، وينتظر وسيلة قد تمنحه فرصة للنجاة، فيما كانت أمي تجلس بجانبه، تحتضن رأسه وتغطيه بيديها من كميات الدم الكبيرة التي كان ينزفها، مشهد لن يمحى من ذاكرتي ما دمت حيا ارزق.
بالقرب منا كان أخي الآخر، الذي تعرض للحادث نفسه رفقة أخي الراحل، لا حول ولا قوة له، مصدوما مما وقع، عاجزا عن استيعاب حجم المأساة وكانت أختي الكبيرة وأخي الكبير يشاركاننا الانتظار نفسه، انتظارا قاتلا بين الخوف والرجاء.
كنا جميعا نحدق في ظلام الليل الدامس، نترقب أي ضوء يلوح من بعيد ، أي سيارة قد تقترب، أي بارقة أمل قد تمنح أخي فرصة أخرى للحياة ، كنا ننتظر فقط أن نرى أضواء سيارة إسعاف تشق الظلام حتى يطمئن القلب قليلا وحتى نشعر أن النجدة في الطريق.
لكن الوقت كان يمر ببطء مؤلم، والدقائق كانت أطول من العمر نفسه، فيما كان أخي يفقد قوته شيئا فشيئا أمام أعيننا، وسط منطقة نائية، وظلام حالك، وصمت ثقيل لا يقطعه سوى الخوف والدعاء.
وبينما كانت كل دقيقة تمر تحمل معها أملا يتلاشى وبين مكان الحادث والمستشفى الإقليمي بورزازات تمتد مسافة تستغرق ما لا يقل عن ساعة من الزمن عبر طرق صعبة ووعرة، في منطقة تعرف خصاصا كبيرا في وسائل الإنقاذ والتدخل الاستعجالي.
وعندما وصل أخي إلى المستشفى، كان غياب طبيب الإنعاش من بين الإكراهات التي واجهتنا، في مشهد يتكرر مع العديد من الأسر التي تجد نفسها في مواجهة الزمن والإمكانيات المحدودة.
لقد كان أخي يصارع من أجل الحياة، لكن الظروف كانت أقسى من أن تمنحه فرصة حقيقية للنجاة.
أنا لا أكتب اليوم لأجل أخي فقط، فقد رحل ولن يعود، أكتب لأن ما وقع له قد يقع غدا لأبيك أو أمك، لأخيك أو أختك، لك أو لي.
أكتب لأن الحق في العلاج والإسعاف السريع ليس امتيازا، بل حق دستوري لكل مواطن أينما كان.
في الجنوب الشرقي للمغرب، ما زالت ساكنة مناطق واسعة تعيش تحت وطأة الهشاشة الصحية، وخصاص سيارات الإسعاف، وبعد المستشفيات، ونقص الموارد البشرية الطبية، خاصة في التخصصات الحيوية المرتبطة بإنقاذ الأرواح.
رسالتي واضحة: لا نريد بيانات وتعازي فقط، بل نريد حلولا حقيقية. نريد تعزيز أسطول سيارات الإسعاف، وتقوية خدمات المستعجلات والإنعاش، وتوفير الأطر الطبية الكافية، حتى لا تتحول حوادث السير أو الحالات المستعجلة إلى أحكام بالإعدام بسبب التأخر في التدخل.
رحم الله أخي، ورحم كل من غادر هذه الدنيا وهو ينتظر فرصة للعلاج أو وسيلة للنجاة. وأملنا أن تكون هذه المأساة دافعا لفتح نقاش جاد حول واقع الصحة والإسعاف بالمناطق النائية، لأن كرامة الإنسان لا يجب أن ترتبط بمكان سكنه.
