منتدى إفوس يفتح ملف التقارير الموازية بأكادير.. مواجهة حقوقية حول قوة المجتمع المدني وحدود التأثير والمساءلة

عبدالرحيم ادبلقاس16 أغسطس 2026آخر تحديث :
منتدى إفوس يفتح ملف التقارير الموازية بأكادير.. مواجهة حقوقية حول قوة المجتمع المدني وحدود التأثير والمساءلة

احتضنت مدينة أكادير، يوم الجمعة 14 غشت 2026، يوماً دراسياً نظمه منتدى إفوس للديمقراطية وحقوق الإنسان، خصص لمناقشة موضوع «التقارير الموازية بين الطموح والممارسة: تحديات مشاركة المجتمع المدني في تعزيز منظومة حقوق الإنسان»، في لقاء حقوقي وفكري حمل أسئلة عميقة حول حدود المشاركة المدنية، وفعالية آليات الرصد والتوثيق، وقدرة المجتمع المدني على تحويل التقارير الحقوقية إلى أدوات حقيقية للترافع والتأثير والمساءلة.

اللقاء شكل محطة بارزة ضمن الدينامية التي يواصل المنتدى ترسيخها في مجال التكوين والتأطير الحقوقي، حيث جمع عدداً من الفاعلين الجمعويين والحقوقيين والإعلاميين والمهتمين بقضايا حقوق الإنسان من مختلف مناطق جهة سوس ماسة، في نقاش اتسم بالانفتاح والبحث عن حلول عملية للإكراهات التي تواجه العمل المدني والحقوقي.

ومنذ انطلاق أشغاله، وضع اليوم الدراسي التقارير الموازية في صلب النقاش، باعتبارها إحدى الآليات التي تمنح المجتمع المدني إمكانية تقديم قراءة مستقلة للواقع الحقوقي، وإبراز الاختلالات والقضايا التي قد لا تحظى بما يكفي من الاهتمام، وتقديم معطيات ميدانية يمكن أن تساهم في إثراء النقاش داخل الآليات الوطنية والدولية لحقوق الإنسان.

وتوقف المشاركون عند مختلف الآليات الأممية المرتبطة بالتقارير الحقوقية، سواء التعاهدية أو غير التعاهدية، وفي مقدمتها آلية الاستعراض الدوري الشامل، مع التأكيد على أن فعالية التقارير الموازية لا تقاس فقط بعدد الوثائق المقدمة، وإنما بمدى قوتها المنهجية، ودقة معطياتها، وقدرتها على بناء حجج موثقة وتحويل الملاحظات الميدانية إلى مقترحات قابلة للتنفيذ.

وفي استعراض لمسار التجربة المغربية، تمت الإشارة إلى التطور الذي عرفته مشاركة المجتمع المدني في إعداد التقارير الموازية خلال أكثر من عقدين، مع تنامي عدد الفاعلين وتنوع المقاربات والموضوعات، وصولاً إلى مشاركة لافتة خلال الدورة الرابعة للاستعراض الدوري الشامل سنة 2023، من خلال تقديم 31 تقريراً موازياً.

غير أن النقاش انتقل سريعاً من سؤال المشاركة إلى سؤال أكثر عمقاً: ما مدى تأثير هذه التقارير في صناعة القرار وتتبع تنفيذ التوصيات؟

وهو السؤال الذي كشف عن مجموعة من التحديات التي لا تزال تواجه الفاعلين المدنيين، من بينها ضعف الإمكانيات التقنية والبشرية لدى عدد من الجمعيات، والحاجة إلى تطوير مهارات الرصد والتوثيق وتحليل المعطيات، فضلاً عن صعوبات التنسيق وبناء التحالفات، ومحدودية الموارد، وتحديات الانتقال من التشخيص إلى الترافع الفعال.

وفي قلب هذه الإشكالات برزت قضية الحق في الحصول على المعلومة باعتبارها إحدى أهم الركائز التي يقوم عليها العمل الحقوقي الجاد. فالتقرير الموازي، مهما بلغت قوة منهجيته، يظل في حاجة إلى معطيات دقيقة وموثوقة وقابلة للتحقق.

وفي هذا السياق، ناقش المشاركون المكتسبات التي جاء بها القانون رقم 31.13 المتعلق بالحق في الحصول على المعلومات، مقابل التحديات التي ما تزال مطروحة على مستوى الممارسة، مؤكدين أن الفجوة بين النص والتطبيق تطرح أسئلة حقيقية حول فعالية هذا الحق وقدرة المجتمع المدني على الوصول إلى المعطيات التي يحتاجها للقيام بأدواره في الرصد والتقييم والمساءلة.

وأكدت النقاشات أن الحق في المعلومة لا ينبغي أن ينظر إليه باعتباره مجرد إجراء إداري، بل باعتباره أحد الأعمدة الأساسية للشفافية والحكامة والديمقراطية التشاركية، لأن غياب المعطيات الدقيقة يجعل تقييم السياسات العمومية وتتبع تنفيذ التوصيات أمراً بالغ الصعوبة.

كما شكلت البيئة القانونية والمؤسساتية محوراً أساسياً في اللقاء، حيث تمت مناقشة مختلف العوامل التي تؤثر في قدرة المجتمع المدني على ممارسة أدواره، إلى جانب التحديات المرتبطة بالتوازن المجالي وتفاوت الإمكانيات والقدرات بين الفاعلين المدنيين، والحاجة إلى توفير فضاء أكثر دعماً للمشاركة المواطنة والعمل الحقوقي.

ولم يكتف اليوم الدراسي بتشخيص الإشكالات، بل توجه نحو تقديم مجموعة من المقترحات العملية، من بينها تعزيز التكوين المستمر للفاعلين المدنيين في مجالات الرصد والتوثيق وإعداد التقارير الموازية، وتشجيع تبادل الخبرات، وتقوية مشاركة المجتمع المدني في إعداد التقارير الوطنية ومتابعة التوصيات الأممية.

كما دعا المشاركون إلى تطوير آليات مؤسساتية وطنية لتتبع التوصيات الأممية، وإحداث قواعد بيانات مفتوحة وموحدة تسمح بتقييم مستوى التنفيذ، وتعزيز ثقافة الشفافية والحق في المعلومة، وتقوية آليات حماية المدافعين عن حقوق الإنسان وضمان شروط ممارسة العمل المدني بحرية وأمان.

وخلص اللقاء إلى رسالة واضحة مفادها أن التقارير الموازية ليست مجرد وثائق ترفع إلى المؤسسات والهيئات الدولية، وإنما أدوات للترافع والمساءلة وصناعة الحوار حول السياسات العمومية. فقيمة التقرير لا تكمن فقط في رصد الاختلالات، بل في قدرته على تقديم معطيات دقيقة، وتشخيص علمي، ومقترحات واقعية، والمساهمة في تتبع ما بعد التوصيات.

وأكد منتدى إفوس للديمقراطية وحقوق الإنسان أن تعزيز حضور المجتمع المدني في منظومة حقوق الإنسان يقتضي الانتقال من المشاركة الشكلية إلى المشاركة الفعلية، ومن جمع المعطيات إلى إنتاج المعرفة، ومن إصدار التوصيات إلى تتبع تنفيذها وقياس أثرها.

ويعكس تنظيم هذا اليوم الدراسي حرص المنتدى على مواصلة الانخراط في النقاش العمومي حول قضايا حقوق الإنسان والديمقراطية والمشاركة المواطنة، وعلى جعل التكوين والتأطير وتبادل الخبرات أدوات أساسية لتقوية قدرات الفاعلين المدنيين، بما يساهم في بناء ممارسة حقوقية أكثر مهنية وفعالية وتأثيراً.

الاخبار العاجلة