بقلم الاستاذ :الحسين أبرزاق
يُقصد بالنكوص، في المنظور التحليلي النفسي، ميل الفرد، تحت تأثير الأزمات والصراعات والضغوط والإحباط، إلى العودة إلى أنماط أسبق وأقل نضجا في التفكير والانفعال والاستجابة. ويُعدّ “سيغموند فرويد” من أبرز من وظفوا مفهوم النكوص في تفسير عودة الفرد، في ظروف معينة، إلى أنماط سابقة من السلوك والاستجابة. ولا يعني ذلك بالضرورة وجود اضطراب نفسي، إذ يمكن أن يظهر النكوص بوصفه آلية دفاعية أو استجابة نفسية لضغوط تفوق، مؤقتا، قدرة الفرد على التعامل الناضج مع الواقع. وقد أسهمت “آنا فرويد” لاحقا في تطوير دراسة آليات الدفاع النفسي وكيفية اشتغالها في مواجهة القلق والصراعات الداخلية. وبالاستناد إلى هذا المفهوم، يمكن، على سبيل التوظيف التحليلي لا السريري، نقل فكرة النكوص إلى المجال السياسي لفهم بعض الحالات التي تتراجع فيها القدرة على إدارة الاختلاف بصورة عقلانية. ففي ظل الاستقطاب والشعور بالتهديد، قد يتحول الخصم من شخص يختلف في الرأي والمصلحة إلى “آخر” يُنظر إليه باعتباره تهديدا للذات أو للجماعة. وعند هذه النقطة يمكن أن تظهر مجموعة من الأنماط السلوكية، من أبرزها:
ـ شخصنة الخلاف: الانتقال من مناقشة الفكرة أو الموقف السياسي إلى مهاجمة الشخص نفسه، بحيث يصبح الخلاف مع الرأي خلافا مع صاحبه، بدل تفكيك حجته ومناقشة مضمونها.
ـ التخوين: اعتبار الاختلاف دليلا على عدم الولاء أو سوء النية، بدل التعامل معه باعتباره اختلافا مشروعا في الرأي والموقف. وهنا ينتقل النقاش من سؤال: “هل هذا الموقف صحيح؟” إلى سؤال: “لمن ينتمي صاحبه؟”.
ـ الإسقاط: وهو مفهوم حاضر بقوة في التحليل النفسي، خصوصا في نظرية فرويد حول آليات الدفاع؛ ويشير، بصورة عامة، إلى إسناد دوافع أو صفات غير مقبولة لدى الذات إلى شخص آخر. وفي المجال السياسي يمكن أن يظهر ذلك عندما ينسب الفرد إلى خصمه دوافع أو ممارسات يرفض الاعتراف بوجودها لدى نفسه أو لدى جماعته.
ـ التفكير الثنائي: اختزال الواقع في ثنائية “نحن وهم” أو “معنا أو ضدنا”، بما يلغي المواقف الوسطية والمركبة. ويمكن هنا استحضار بعض أعمال “ميلاني كلاين” حول آلية الانقسام والصورة الثنائية للآخر، مع الحذر من إسقاط المفاهيم السريرية مباشرة على الظاهرة السياسية.
ـ الاحتماء بالولاءات الأولية: العودة إلى الانتماءات العائلية أو القبلية أو الجهوية عندما تضعف قوة الحجة السياسية أو الخطاب العقلاني، فيصبح الانتماء الأولي مصدرا للحماية النفسية والاجتماعية في مواجهة الشعور بالتهديد.
ـ رفض المراجعة: اعتبار الاعتراف بالخطأ ضعفا أو هزيمة، فيصبح الحفاظ على صورة الذات أو الجماعة أهم من تصحيح الموقف. وهنا تتقدم الحاجة إلى حماية صورة الذات على الرغبة في اختبار صحة الموقف ومراجعته.
وتُسهم نظرية الهوية الاجتماعية، التي طورها “هنري تاجفيل” و”جون تيرنر”، في استكمال هذه المقاربة؛ إذ تبيّن كيف يمكن لانتماء الفرد إلى جماعة معينة أن يصبح جزءا من تعريفه لذاته، بحيث يؤدي التمييز بين “نحن” و”هم” إلى تفضيل الجماعة الداخلية والنظر بصورة أكثر سلبية إلى الجماعة الخارجية. وفي المجال السياسي، يمكن أن يصبح الانتماء إلى حزب أو تيار أو جماعة سياسية جزءا من الهوية الشخصية، فيتحول نجاح الجماعة إلى نجاح للذات، ويصبح نقدها أو فشلها مصدرا للشعور بالتهديد. وهنا قد ينتقل السؤال من: “هل الفكرة صحيحة أم خاطئة؟” إلى: “من قالها؟ وهل هو معنا أم ضدنا؟”. وبذلك يصبح معيار الحكم هوية صاحب الفكرة بدل مضمونها، ويتحول الخلاف السياسي من تنافس بين الأفكار والمصالح إلى صراع بين الهويات والانتماءات.
ومن المهم التمييز بين هذا التوظيف التحليلي وبين المفهوم النفسي الأصلي؛ فـ”النكوص السياسي” ليس مفهوما سريريا مستقلا في التحليل النفسي، ولا يُستخدم لتشخيص الأفراد أو الجماعات. إنه تعبير تحليلي يمكن توظيفه لفهم بعض التحولات في السلوك السياسي عندما تؤدي الأزمات والإحباطات والاستقطاب والشعور بالتهديد إلى استدعاء أنماط أقل نضجا في التعامل مع الاختلاف. كما أن هذه الأنماط لا ترتبط بالضرورة بالجهل أو ضعف التعليم، إذ يمكن أن تظهر لدى أفراد متعلمين، بل وحتى داخل النخب السياسية والثقافية.
ومن ثم، فإن النضج السياسي يمكن النظر إليه، في مقابل هذه الأنماط، بوصفه قدرة على استيعاب الاختلاف ومراجعة الذات والفصل بين الشخص والفكرة، وبين الخصومة والعداء، وبين نقد الموقف ورفض صاحبه. إنه انتقال من الشخصنة إلى الحجة، ومن التخوين إلى الاختلاف المشروع، ومن الانفعال إلى التفكير النقدي، ومن البحث عن المسؤول إلى تحمل المسؤولية.
وبهذا المعنى، لا تكمن خطورة النكوص السياسي في مجرد ارتفاع منسوب الانفعال، وإنما في احتمال تراجع النقاش السياسي نفسه من مستوى الأفكار والبرامج والمصالح إلى مستوى الولاءات والانتماءات والصراعات النفسية، حيث يصبح الدفاع عن “نحن” أهم من البحث عن الحقيقة، وتصبح هزيمة “الآخر” أهم من نجاح الفكرة.













