إسماعيل دهبو – سيدي إفني .
أثار ما تصفه ساكنة جماعة إبضر بـ «حبس البناء» موجة من التساؤلات، ليس فقط حول مساطر الترخيص، وإنما حول انعكاسات هذا الوضع على أسر قروية يشكل قطاع البناء بالنسبة إلى نسبة واسعة منها مصدراً مباشراً لقوتها اليومي.
ويأتي هذا الجدل بعد تعيين القائد الجديد لقيادة إبضر ضمن الحركة الأخيرة لرجال السلطة في 18 غشت 2026، ويشكل هذا التعيين أول محطة له في مساره المهني بعد تخرجه من الفوج 61 للسلك العادي لرجال السلطة.
وهنا يطرح الشارع المحلي سؤالاً مشروعاً، مع التأكيد أنه لا يمكن الجزم بدوافع أي قرار دون توضيح رسمي:
هل نحن أمام تشدد يراد منه فرض الحضور في أول تجربة ميدانية؟ أم أمام احتياط إداري من ملف حساس يتعلق برخص البناء، خشية الوقوع في مخالفات أو مشاكل مستقبلية؟
في الحالتين، المواطن لا ينبغي أن يؤدي الثمن،
فاحترام القانون واجب، ومحاربة البناء العشوائي مسؤولية لا خلاف حولها، لكن القانون لا ينبغي أن يتحول إلى تجميد شامل للبناء دون بدائل أو توضيحات.
والتساؤل يصبح أكثر إلحاحاً حين يقارن المواطنون وضع إبضر بما يجري في مناطق قروية مجاورة، بالجماعات القروية لنفس الإقليم، حيث يتحدث السكان عن اختلاف واضح في طريقة التعامل مع البناء ومساطر الترخيص.
فإذا كان الاختلاف مرده وضعاً قانونياً أو تعميرياً مختلفاً، فمن حق ساكنة إبضر أن تعرف ذلك رسمياً. وإذا كانت الشروط متقاربة، فمن حقها أيضاً أن تسأل:
لماذا تختلف طريقة تطبيق المساطر من منطقة قروية إلى أخرى داخل الإقليم نفسه؟
الأخطر أن القضية لا تتعلق بالإسمنت والحجر فقط.
في المجال القروي، يعمل عدد كبير من السكان في البناء: بناء المنازل، النجارة، الحدادة، الصباغة، الكهرباء، نقل مواد البناء والأشغال اليومية المرتبطة بها. وعندما يتوقف البناء، لا يتوقف ورش واحد فقط؛ بل تتوقف معه مداخيل أسر بأكملها. فالعامل الذي ينتظر أجر يومه، والبنّاء، والمساعد، والنجار، وصاحب وسيلة نقل مواد البناء، لا يمكنهم انتظار شهور من الغموض الإداري.
وهنا تظهر المسؤولية الحقيقية لرجل السلطة: تطبيق القانون، نعم، ولكن أيضاً الإنصات، والتواصل، والبحث عن الحلول القانونية التي تحمي الإدارة ولا تخنق المجتمع المحلي.
وكان عامل إقليم سيدي إفني قد شدد، خلال تنصيب رجال السلطة الجدد، على ضرورة الانفتاح على المواطنين والإنصات إلى انتظاراتهم وتعزيز التواصل والتنسيق لخدمة الصالح العام.
لذلك، فإن أفضل بداية للقائد الجديد في إبضر لن تكون بإظهار الصرامة وحدها، وإنما بإظهار القدرة على الجمع بين هيبة القانون وحماية مصالح المواطنين.
ساكنة إبضر لا تطالب بالفوضى ولا بالبناء العشوائي. إنها تطالب فقط بجواب واضح:
هل البناء ممنوع؟ أين؟ ولماذا؟ وما السند القانوني؟ ومتى يمكن للمواطن أن يبني منزله بطريقة قانونية؟
لأن إبقاء الملف معلقاً لا يحبس البناء فقط…
بل قد يحبس معه أرزاق أسر ومستقبل قرى بأكملها.
القانون نفسه لا يجعل كل الأراضي القروية في الوضع نفسه.
قانون التعمير رقم 12.90 لا يتعامل مع كل المجال القروي باعتباره كتلة واحدة. فالمادة 40 تحدد حالات ومجالات معينة يمنع فيها البناء دون الحصول مسبقاً على رخصة، من بينها بعض المراكز والمناطق الخاضعة لوثائق التعمير، والتجمعات القروية التي تتوفر على تصميم تنمية، وبعض المجالات الواقعة بمحاذاة طرق معينة أو الملك العام البحري والتجزئات المرخصة.
كما أن المادة 42 تسمح بفرض رخصة البناء خارج تلك المجالات بشروط تحدد تنظيمياً.
الملف وصل أصلا إلى البرلمان.
الأكثر دلالة أن إشكالية رخص البناء في جماعات إقليم سيدي إفني ليست جديدة، فالموقع الرسمي لمجلس النواب يوثق سؤالاً كتابياً حول تبسيط الإجراءات الإدارية والجبائية للحصول على رخصة البناء بالجماعات الترابية القروية بإقليم سيدي إفني.
والسؤال البرلماني ذكر بالاسم جماعات بوطروش وإبضر وإمجاض بصفة عامة، وأشار إلى معاناة الساكنة من عدم التمكين من رخص البناء وتعقد المساطر الإدارية والجبائية وارتفاع تكاليفها.
وهذا المعطى مهم، لأنه يؤكد أن إشكالية البناء ليست مجرد انطباع عابر أو نقاش محدود بين السكان، وإنما موضوع سبق أن وصل إلى المؤسسة التشريعية.
لكن المثير أن صفحة السؤال المنشورة على الموقع الرسمي لمجلس النواب تشير إلى أنه لم تتم الإجابة عنه بعد.
الحكومة نفسها أقرت بصعوبة البناء في العالم القروي.
الإشكال لا يخص إبضر وحدها، ففي نقاش برلماني رسمي حول البناء بالعالم القروي، أكدت الحكومة أنها واعية بالإشكالات المرتبطة بهذا الملف، وأشارت إلى الدورية المشتركة بين وزارة إعداد التراب الوطني ووزارة الداخلية الصادرة بتاريخ 28 أبريل 2023 والرامية إلى تبسيط مسطرة تراخيص البناء لفائدة ساكنة العالم القروي.
وبالتالي، فإن الاتجاه الرسمي المعلن للدولة هو تبسيط البناء القروي ومعالجة عراقيله، وليس إضافة تعقيدات جديدة أمام المواطن.













