المساء نيوز. – ليلى بهلولي
في زمنٍ تحول فيه جزء كبير من العمل الجمعوي إلى مجرد واجهة لانتظار الدعم المالي، وصورة لخدمة المصالح الشخصية والصراعات الضيقة، نسي الكثيرون الدور الحقيقي للمجتمع المدني المتمثل في تأطير الشباب، وغرس قيم المواطنة، والقيام بالحملات التحسيسية والميدانية، فضلاً عن خدمة البيئة والتنمية المستدامة والمحلية التي تصب في الصالح العام دون مقابل. لكن، وفي قلب هذا المشهد المتغير، يبرز اسم خديجة بلعازة بمنطقة حي الرحمة بسلا كأحد أشهر الوجوه المدنية في المنطقة؛ امرأة استطاعت بنضالها الصامت وعزيمتها الاستثنائية أن تعيد للعمل التطوعي هيبته ونقاءه، من خلال حملاتها البيئية والثقافية المستمرة التي غيرت ملامح أزقة الحي ومؤسساته التعليمية.
لقد اختارت هذه المرأة المغربية المناضلة أن تكافح في صمت لتصنع ربيعاً بيئياً وثقافياً بإمكانيات انطلقت محدودة، وبإرادة قوية لا تلين.
ورغم أن جمعيتها لم تتلقَ أي دعم مالي يُذكر من الجهات الرسمية منذ تأسيسها سنة 2009، إلا أن ذلك لم يكن يوماً عائقاً لوقف عجلة عطائها؛ بل بفضل تضحياتها الشخصية، تحولت هذه الفاعلة الجمعوية إلى الممول الأول لحملاتها البيئية، حيث باتت توفر تجهيزات النظافة من مالها الخاص ومن قوت جيبها، مؤمنة بأن التغيير الحقيقي يبدأ بالخطوة الأولى، حتى لو كانت مكلفة ذاتياً.
وفي مسار هذا العطاء المتواصل، تركز السيدة بلعازة بشكل كبير على المؤسسات التعليمية العمومية بمدينة سلا، إيماناً منها بأن الناشئة اليوم هم حماة البيئة غداً. ومن هذا المنطلق، تمتد أنشطتها لتشمل مجالات متعددة؛ كالتنظيف وتقليم الأشجار من أجل تهيئة فضاءات خضراء توفر بيئة صحية ونقية للتلاميذ، وتغيير الصورة النمطية للمدرسة العمومية في الأحياء الشعبية.
ويبرز هذا التميز الميداني الفريد بوضوح في القدرة العالية للسيدة خديجة على التنسيق المشترك مع السلطات المحلية، وجماعة سلا، والشركة المفوض لها تدبير قطاع النظافة (ميكومار)؛ مما ساهم في خلق تلاحم اجتماعي وميداني يضع الجميع في صف واحد لخدمة البيئة، بدءاً من المسؤولين وصولاً إلى عمال النظافة وشباب المنطقة. ففي كل حملة بيئية بحي الرحمة أو شوارعه المجاورة، تجدها محاطة بعمال النظافة الذين ترى فيهم شريكاً استراتيجياً في الميدان، حيث يشتغلون معها يداً بيد خارج أوقات عملهم الرسمية، تعبيراً عن حبهم وتقديرهم لغيرتها الصادقة على الحي.

ويرافقهم في هذه التلاحم شباب المنطقة الذين استلهموا من طاقتها معاني المواطنة الحقة، فانخرطوا معها متطوعين لحمل الأكياس، وتقليم الأشجار، وتطهير النقط السوداء التي طالما أرّقت الساكنة.
هكذا، تستمر رئيسة “جمعية النصر الاجتماعية والثقافية والبيئية بسلا” خديجة بلعازة، في قيادة حملات بيئية متنوعة، ومحاربة المظاهر المشوهة للمحيط بابتسامة دافئة، ودون التفات لنداءات الشهرة أو المكاسب المادية.،إنها باختصار، نموذج مشرق ومشرّف للمرأة المغربية المكافحة التي تؤكد بأفعالها قبل أقوالها أن الإخلاص في العمل هو الدعم الحقيقي الذي لا ينضب، وأن الإرادة قادرة على صنع التغيير بأبسط الإمكانيات.
