تصريح وزير الإدماج الاقتصادي والمقاولة الصغرى والتشغيل والكفاءات، خلال جلسة الأسئلة الشفهية بمجلس المستشارين يوم الثلاثاء، حول كون حصيلة الحكومة في مجال الحوار الاجتماعي “مشرفة”، يستند إلى أرقام ضخمة: التزامات مالية تجاوزت 49 مليار درهم، زيادات في الأجور، مراجعة للضريبة على الدخل، ورفع الحد الأدنى للأجور في القطاعات الصناعية والفلاحية. هذه المعطيات تبدو، في ظاهرها، دليلاً على إرادة سياسية واضحة، لكنها سرعان ما تتهاوى أمام واقع اقتصادي مثقل بالتضخم.
فقد سجّلت بلادنا في فبراير 2023 معدل تضخم قياسي بلغ 10.1%، وهو الأعلى منذ عقود، قبل أن يتراجع نسبيًا سنة 2024. هذا المسار يعني أن أي زيادة في الأجور، مهما بلغت، تتآكل أمام موجات الغلاء، خاصة في المواد الغذائية والخدمات الأساسية. فرفع الحد الأدنى للأجر إلى 3400 درهم أو زيادة 1000 درهم على دفعتين لم ينعكس على القدرة الشرائية للمواطن، لأن الأسعار ارتفعت بوتيرة أسرع من هذه الزيادات؛ مما جعل المواطن العادي يحنّ إلى مستويات الأسعار في عهد الحكومتين السابقتين، حيث كان متوسط التضخم في حدود 1% في عهد حكومة بنكيران و 1,65% في عهد حكومة العثماني؛ مما جعل المواطن العادي يحنّ إلى مستويات الأسعار في عهدهما، إذ كانت أي زيادة في الأجور تُترجم مباشرة إلى تحسن في المعيشة.
الأمر لا يقف عند حدود الأجور، بل يمتد إلى مراجعة الضريبة على الدخل التي منحت الطبقة الوسطى متوسط استفادة لا يتجاوز 400 درهم شهريًا، وهو مبلغ سرعان ما ابتلعته زيادات النقل والوقود والسكن والمواد الغذائية. كما أن ارتفاع أسعار الخضر والفواكه واللحوم، التي تشكل أساس الاستهلاك اليومي، جعل هذه الفئة الأكثر تضررًا، إذ لم تعد قادرة على ملاحقة وتيرة الغلاء رغم كل الإجراءات المعلنة.
إلى جانب ذلك، فإن التضخم المستورد بفعل تقلبات الأسواق العالمية، وارتفاع أسعار الطاقة والمواد الأولية، ساهم في مضاعفة الضغط على الأسر المغربية. فحتى مع تخفيض شروط الاستفادة من التقاعد أو مراجعة الأنظمة الأساسية في قطاعات التعليم والصحة، ظل المواطن يواجه واقعًا ماليًا صعبًا،
الأدهى من ذلك أن التضخم لم يكن عابرًا، بل مستمرًا ومركبًا، بفعل عوامل داخلية وخارجية: تقلبات أسعار الطاقة، ارتفاع كلفة الاستيراد، وضعف مراقبة الأسواق. هذا يعني أن كل زيادة جديدة ستظل مجرد رقم يُعلن في البرلمان أو في البلاغات الرسمية، دون أثر فعلي على القدرة الشرائية؛ حيث لا تكفي الزيادات لتعويض التآكل المستمر في قيمة الدرهم أمام الأسعار. المواطن اليوم يقارن بين الأمس واليوم، ويكتشف أن الأجور في عهد الحكومتين السابقتين كانت أكثر انسجامًا مع مستوى الأسعار، وأن أي زيادة آنذاك كانت تنعكس مباشرة على معيشته اليومية.
وبذلك، فإن ما تعتبره الحكومة “حصيلة مشرفة” يظل أقرب إلى إنجاز شكلي، وما تتباهى به ليس سوى واجهة إعلامية تخفي حقيقة مرة: الأجور ترتفع على الورق، لكن القدرة الشرائية تنهار في الواقع. الأرقام وحدها لا تكفي. وأي تعديل في الأجور يجب أن ينعكس مباشرة على القدرة الشرائية؛ لذلك، فالمطلوب هو ضبط الأسعار ومواجهة التضخم، وإلا فإن كل زيادة ستظل بلا معنى، وستبقى مجرد حبر على ورق لا تغيّر شيئًا في حياة الناس اليومية.
