لم يعد خافيا أن بعض الممارسات داخل الجامعة المغربية بدأت تثير قلقاً متزايداً، غير أن ما وقع مؤخراً في كلية اللغات والآداب والفنون التابعة لجامعة ابن طفيل القنيطرة تحديداً، جعل هذا القلق يتحول إلى استنكار صريح. فخلال مناقشة أطروحة جامعية بهذه الكلية، وتحت إشراف رئيس شعبة اللغة العربية، انزلق النقد الأكاديمي الذي يفترض فيه أن يكون رصيناً موضوعياً، إلى مشهد طغى عليه التوتر والتجريح، بل تحول في بعض لحظاته إلى تشهير مقنّع بأشخاص ليسوا حاضرين أصلاً في الجلسة.
إن مناقشة الأطروحة ليست مجرد إجراء شكلي لنيل شهادة، بل هي محطة علمية دقيقة يُختبر فيها الباحث ويُقوَّم عمله وفق معايير منهجية صارمة. لكن ما حدث في كلية اللغات والآداب والفنون يكشف عن خطورة تحول هذا الفضاء إلى منبر لتصفية حسابات أو توجيه رسائل مبطنة، حيث استُهدف أستاذ باحث (ج.ح) بدون حضوره، وأطلقت أحكام عامة تفتقر إلى أي سند علمي أو منهجي.
المشكلة ليست في النقد نفسه، فالنقد جوهر العمل الجامعي وروحه، بل في طبيعة هذا النقد وحدوده. حين يُوجَّه النقد إلى المرجع أو الفكرة أو المنهج، فهو يخدم العلم. أما حين يتحول إلى طعن في الأشخاص، وتشكيك في كفاءاتهم دون دليل، فإنه يفقد مشروعيته، ويصبح ممارسة تُسيء إلى صاحبها قبل غيره. وهذا ما جسدته وقائع المناقشة التي شهدتها قاعات الكلية.
والأخطر من ذلك أن هذه السلوكيات، حين تصدر عن رئيس شعبة اللغة العربية، فإنها تكتسب وزناً مضاعفاً، وتصبح أكثر خطورة. فالمسؤول الأكاديمي ليس ناقداً عادياً، بل هو قدوة ومؤطر، ومن المفترض فيه أن يكون حارساً لأخلاقيات البحث والمناقشة، لا أن يكون طرفاً في خرقها. حين ينحرف رئيس الشعبة عن جادة النقد العلمي إلى التشهير، فإنه يبعث برسائل سلبية ومدمرة إلى الطلبة والباحثين: كيف يمكن إقناع جيل جديد بقيم النزاهة العلمية، في وقت يُمارس فيه رئيس القسم نفسه تجريحاً وتشهيراً داخل قاعة المناقشة؟
ثم إن أثر هذه الممارسات لا يقف عند حدود قاعة المناقشة بكلية اللغات والآداب والفنون، بل يمتد إلى خارجها، حيث تتداولها الأوساط الأكاديمية والرأي العام، فتساهم في تكريس صورة سلبية عن جامعة ابن طفيل وعن شعبة اللغة العربية فيها، باعتبارها فضاء للصراعات الشخصية لا فضاء للمعرفة الأكاديمية الرصينة.
ما نحتاجه اليوم ليس فقط التنديد بما جرى، بل فتح نقاش صريح حول مسؤولية المسؤولين الأكاديميين في ضبط سلوك النقد الجامعي. فهل توجد آليات لمساءلة رئيس شعبة يخرج عن قواعد اللياقة العلمية؟ أم أن المنصب يحصنه ويمنحه شرعية ممارسة التشهير باسم النقد؟ وهل هناك مواثيق أخلاقية واضحة داخل كلية اللغات والآداب والفنون تضبط علاقة المسؤول الأكاديمي بمناقشات الأطروحات؟
إن الدفاع عن الجامعة لا يكون بالصمت عن اختلالاتها، حتى لو صدرت عن مسؤولين. فما حدث تحت إشراف رئيس شعبة اللغة العربية يجب أن يكون مناسبة لمراجعة أخلاقيات النقد الجامعي من القاعدة إلى القمة، لأن النقد المسؤول هو الذي يهدف إلى البناء لا الهدم، وإلى التقويم لا التشهير، بغض النظر عن صفة من يصدر عنه أو يستهدفه.
وأخيرا ، تبقى الجامعة مرآة المجتمع. فإذا اختل ميزان القيم داخل قاعات مناقشاتها، وعلى يد مسؤوليها، فإن ذلك ينعكس على صورة المعرفة ذاتها. وإعادة الاعتبار لأخلاقيات النقد الجامعي، خصوصاً بعد ما وقع في كلية اللغات والآداب والفنون بجامعة ابن طفيل، ليست مسألة داخلية تخص الأساتذة فقط، بل هي رهان مجتمعي يتعلق بمستقبل العلم والثقة في مؤسساته.
