.
فصوت الجرافات لم يكن مجرد ضجيج عابر، بل إعلاناً عن نهاية مرحلة كاملة من “السويقات” العشوائية التي شكّلت، لسنوات، جزءاً من الذاكرة اليومية للمدينة، رغم ما رافقها من فوضى واختلالات.
تحرّكت السلطات المحلية هذه المرة بمنطق الحسم، حيث تم تفكيك أحد أقدم الفضاءات غير المنظمة، في خطوة تندرج ضمن رؤية أوسع لإعادة ترتيب المجال الحضري وتحرير الملك العمومي من مظاهر احتلال طال أمدها.
لكن، خلف هذا “النجاح التنظيمي”، يبرز سؤال أعمق:
ماذا عن الناس؟
فعدد من التجار وجدوا أنفسهم أمام واقع جديد؛ بعضهم استفاد من محلات داخل سوق نموذجي، بفضاء منظم وشروط أفضل، بينما عبّر آخرون—خصوصاً من الشباب—عن شعورهم بالإقصاء، معتبرين أن العملية لم تكن منصفة للجميع.
وهنا تحديداً يبرز التحدي الحقيقي:
ليس في إزالة العشوائية، بل في تدبير آثارها الاجتماعية.
ردّ السلطات لم يتأخر، وجاء حاملاً رسالة تطمين واضحة:
“لن يُهمَّش أحد”،
وهو تصريح يحمل في طياته أكثر من مجرد وعد، بل التزام أخلاقي وسياسي بإيجاد حلول تراعي كرامة المتضررين.
الاجتماع المرتقب مع رئيس الجماعة ليس مجرد إجراء إداري، بل اختبار فعلي لقدرة المقاربة التشاركية على تحويل الاحتقان إلى توافق، والغضب إلى حلول.
الدشيرة اليوم أمام لحظة مفصلية:
إما أن تنجح في بناء نموذج حضري يوازن بين القانون والإنصاف،
أو أن تسقط في نفس أخطاء مدن أخرى، حيث تم القضاء على العشوائية… لكن بثمن اجتماعي مرتفع.
في النهاية، لا أحد يعارض التنظيم،
لكن الجميع يتفق على شيء واحد:
المدينة لا تُبنى فقط بالإسفلت، بل أيضاً بالثقة .
