المساء نيوز – أبو محمد إلياس
في سياق يعرف تصاعدا مقلقا في الضغوطات على الجسم الصحافي، تتعالى الأصوات من داخل الأوساط الإعلامية والحقوقية محذرة من محاولات تكميم الأفواه وتقييد حرية التعبير، خاصة في قطاع الصحافة والإعلام السمعي البصري. وضعٌ يطرح تساؤلات عميقة حول مدى احترام الحكومة لحرية الإعلام التي يكفلها الدستور المغربي والتزامات المملكة الدولية.
ففي الوقت الذي يُفترض أن تكون الصحافة مرآة للمجتمع وصوتاً للمواطنين، باتت تواجه اليوم سلوكات رسمية توحي برغبة في التضييق الممنهج، سواء عبر قوانين زجرية، أو قيود إدارية ومالية، أو حتى عن طريق التهديد المباشر وغير المباشر لبعض الأصوات الحرة التي تخترق جدار الصمت وتسلّط الضوء على بؤر الفساد وسوء التدبير.
المؤشرات تُظهر أن الصحافة المستقلة، التي تنبش في ملفات “المال العام”، وتُدين مظاهر “الريع” و”المحسوبية”، أصبحت هدفاً مباشراً لما يمكن وصفه بـ”لوبيات الفساد”. هذه اللوبيات، التي تجد موطئ قدم داخل بعض مراكز القرار، لا تخشى من الأقلام المرتزقة أو من المنابر التي تكتفي بنقل الأخبار الرسمية، لكنها تتحسس من أي صوت مهني حر يصرّ على كشف المستور.
الخطير في الأمر هو أن هذه الهجمات لا تأتي دائماً من جهات غير رسمية، بل أحياناً تُمرر عبر قرارات حكومية تُبرَّر تارة بإعادة تنظيم القطاع، وتارة بمحاربة الأخبار الزائفة، بينما الهدف الحقيقي هو فرض رقابة ناعمة تقود إلى إسكات الإعلام الحر.
الجواب: نعم، وبكل وضوح. حين ترفع الصحافة المهنية شعار المحاسبة وتطالب بالشفافية وتُصرّ على الولوج إلى المعلومة، فإنها حتماً تصطدم بمصالح من اعتادوا العبث بمقدرات الدولة في الظل. فالصحفي الذي يفضح صفقات مشبوهة، أو يكشف اختلالات في التدبير العمومي، لا يمكن أن يُرحَّب به داخل منظومة فساد محصّنة بالولاءات والسكوت الجماعي.
إن استمرار الضغط على الإعلام السمعي البصري ووسائل الإعلام المستقلة لا يمكن أن يُفهم إلا كمحاولة لتقويض أحد أسس دولة الحق والقانون. فلا تنمية بدون حرية صحافة، ولا ديمقراطية بدون إعلام مهني حر ومسؤول.
وعليه، فإن المسؤولية تقع اليوم على عاتق كل الفاعلين: الهيئات المهنية، المؤسسات الحقوقية، المجتمع المدني، والسلطة القضائية، من أجل حماية هذا المكسب الدستوري، والتصدي لكل محاولات الرجوع إلى الوراء، لأن تكميم الأفواه لا يصنع دولة، بل يفتح الباب على مصراعيه نحو المجهول
