نظم منتدى إفوس للديمقراطية وحقوق الإنسان، يوم السبت 07 فبراير 2026، ندوة فكرية بين-جهوية بالقاعة الكبرى للمركب الثقافي بمدينة طاطا، خُصصت لمناقشة إشكالية العدالة المجالية بالمجالات الواحاتية، تحت عنوان: «العدالة المجالية بمناطق الواحات: رهانات التنمية، تحديات التغيرات المناخية، وسؤال ضمان الحقوق».
ويأتي تنظيم هذه الندوة في إطار الدينامية الترافعية التي يقودها المنتدى دفاعا عن الحقوق التنموية والبيئية بالمناطق الهشة، وعلى رأسها مناطق الواحات، التي أصبحت اليوم في صلب النقاش العمومي بالنظر إلى ما تعرفه من تراجع حاد في الموارد المائية، وتزايد مظاهر التصحر، وهشاشة البنيات التحتية والخدمات الاجتماعية.

وشكل هذا اللقاء منصة علمية وترافعية رفيعة المستوى، أطرها نخبة من الباحثين والخبراء في مجالات التنمية المستدامة والبيئة وحقوق الإنسان، ونُظم بشراكة مع عدد من الفاعلين الدوليين والوطنيين، من ضمنهم مشروع أموسو الذي تشرف عليه جمعية الهجرة والتنمية، ومنظمة COSPE الإيطالية، وجمعية مدرسي علوم الحياة والأرض، وبدعم جزئي من الاتحاد الأوروبي.
وقد خلصت مختلف المداخلات إلى أن المقاربة القطاعية التقليدية لم تعد قادرة على الاستجابة للإكراهات المركبة التي تعرفها المجالات الواحية، مؤكدة أن هذه الأخيرة لم تعد تواجه اختلالات ظرفية عابرة، بل تعيش أزمة وجودية حقيقية تهدد استمراريتها البيئية والديمغرافية.
كما أبرز المتدخلون أن التغيرات المناخية، وما يرافقها من توالي سنوات الجفاف، واستنزاف الفرشات المائية، وتراجع الإنتاج الفلاحي الواحي، ساهمت بشكل مباشر في تعميق الهشاشة الاجتماعية، وأدت إلى ارتفاع معدلات الهجرة القسرية، خصوصًا في صفوف الشباب، نحو المراكز الحضرية الكبرى.
وفي السياق ذاته، شدد المشاركون على أن غياب العدالة المجالية في توزيع الاستثمارات العمومية والبنيات التحتية ساهم في تفاقم معاناة الساكنة المحلية، حيث تعاني مناطق الواحات من ضعف العرض الصحي، ومحدودية الولوج إلى التعليم العالي، إضافة إلى هشاشة الربط الطرقي واللوجستيكي.
وخلصت أشغال الندوة إلى بلورة خارطة طريق ترافعية تضمنت جملة من التوصيات الاستراتيجية، في مقدمتها الدعوة إلى تكريس التمييز الترابي الإيجابي لفائدة المجالات الواحاتية الأقل تجهيزًا، من خلال منحها أولوية في الأوراش التنموية الكبرى، وتسريع وتيرة توسيع العرضين الصحي والجامعي، بما يضمن الاستقرار البشري والحد من النزوح.
كما أكد المشاركون على مركزية الأمن المائي باعتباره حقا أساسيا للأجيال الحالية والقادمة، داعين إلى إدماج الواحات ضمن الاستراتيجيات الوطنية الكبرى لتدبير الموارد المائية، وتفعيل مخططات استعجالية لمحاربة التصحر وحماية النظم البيئية الواحية، التي تُعد خط الدفاع الطبيعي الأول في مواجهة الزحف الصحراوي.
وفي الجانب الاقتصادي، شددت الندوة على أن تحقيق العدالة المجالية يظل رهينا بتعزيز الربط الطرقي والجوي، وفك العزلة عن مناطق الواحات وربطها بالمراكز الاقتصادية، بما يساهم في تحفيز الاستثمار، وتثمين المؤهلات السياحية والثقافية التي يزخر بها إقليم طاطا والمناطق المجاورة.
كما دعت المداخلات إلى اعتماد مقاربة تنموية مندمجة تراعي الخصوصيات البيئية والثقافية للمجال الواحي، وتقوم على تشجيع الاقتصاد المحلي، والفلاحة المستدامة، والسياحة الإيكولوجية.
وعلى المستوى الحقوقي، دعا منتدى إفوس القطاعات الحكومية والمجالس المنتخبة إلى ضمان التنزيل السليم والفعلي للبرامج التنموية الموجهة للمجالات الواحاتية، مع تثمين الموروث الثقافي واللامادي للواحات، باعتباره رافعة أساسية للتنمية المستدامة.
كما شدد المنتدى على أهمية استمرار المجتمع المدني في لعب دوره الترافعي من أجل “إسماع صوت الواحات”، والدفاع عن حق ساكنتها في العيش الكريم داخل مجالهم الطبيعي، بعيدا عن منطق التهميش والإقصاء.
ويؤكد منتدى إفوس للديمقراطية وحقوق الإنسان، من خلال هذه المبادرة، أن تحقيق العدالة المجالية بالمجالات الواحاتية لم يعد خيارا ثانويا ، بل ضرورة استراتيجية لضمان استدامة المجال، وصون كرامة الإنسان، وتعزيز التماسك الاجتماعي بالمناطق الجنوبية والجنوب الشرقي للمملكة.
