المساء نيوز – ليلى بهلولي
تخفي الأسوار الضخمة لشركات صناعة الكابلات (الكابلاج) في مدن كبرى بالمملكة تفاصيل صادمة لواقع عمالي يوصف بالمأساوي، فخلف ما تحققه هذه المصانع من أرقام قياسية في التصدير وضخ للاستثمارات الأجنبية. وبحسب إفادات متطابقة من أجراء داخل هذه الوحدات، فإن ظروف الاشتغال تحولت إلى ما يشبه بالعزلة القسرية التي تنتهك فيها الحقوق وتمس داخلها الكرامة الإنسانية يوميا، بداعي تسريع وتيرة التدفق وتحقيق مستهدفات الإنتاج.
وتنطلق فصول هذه المعاناة من بوابة التوظيف ذاتها؛ حيث تنهج بعض شركات القطاع استراتيجية واضحة تعتمد على استقطاب الفتيات، لاسيما القادمات من أوساط اجتماعية هشة أو مناطق قروية، في مقابل رفض منهجي وشبه معلن لطلبات تشغيل الشباب الذكور. وليس هذا التمييز المبني على الجنس وليد الصدفة، بل هو خيار مدروس تفرضه الإدارات لتسهيل السيطرة على الكتلة العمالية؛ إذ تكشف السوسيولوجيا المهنية داخل هذه المعامل أن الإدارات ترى في الفتيات قوة عاملة أكثر امتثالاً، وأقل ميلا للاحتجاج أو الانخراط في تأسيس مكاتب نقابية، خوفا من فصل تعسفي قد يحرم عائلاتهن من لقمة العيش، في حين يستبعد الشباب بذريعة أنهم يطالبون بحقوقهم ولا يقبلون الشطط والاستغلال الإداري.
ورغم أن مدونة الشغل المغربية واضحة في تحديد ساعات العمل في 44 ساعة أسبوعياً بمعدل 8 ساعات يومياً، إلا أن الواقع داخل مصانع الكابلاج يفرض قانوناً مغايرا تماما؛ فبموجب نظام “الأنظمة المتناوبة” (Shifts) وضغط طلبيات الشركات العالمية، يجبر العمال والعاملات على العمل لمدد تصل إلى 12 ساعة متواصلة يوميا. ولا يتوقف هذا الضغط المستمر عند حدود الإرهاق الجسدي والنفسي الحاد، بل يمتد وفق شهادات عاملات متطابقة إلى اقتطاعات غير قانونية من الأجور، وتلاعب في احتساب مستحقات الساعات الإضافية، وفرض العمل في يوم الراحة الأسبوعية (الأحد)، فضلاً عن رداءة وجبات الطعام المقدمة وغياب قيمتها الغذائية؛ وهو ما يهدد السلامة الصحية للشغيلة، ويقوض حقوقها الاجتماعية والمستقبلية، بالموازاة مع محاربة كل صوت يطالب بحقوقه العمالية البسيطة.
وداخل أروقة الإنتاج المتسارعة (La chaîne)، يواجه العمال طوقا خانقا من التسلط الإداري، يرى المتضررون أنه ناتج عن تحالف سري بين إدارات الشركات والمسؤولين المباشرين كـ”رؤساء المجموعات” والمشرفين (Les chefs d’équipe)؛ إذ يعتمد أسلوب الترهيب والسب والشتم بألفاظ نابية وبذيئة كوسيلة تعامل يومية لشحن العمال ودفعهم لتسريع وتيرة العمل ليل نهار. هذا المناخ المشحون يفرز بدوره ظواهر أكثر خطورة، وعلى رأسها التحرش الجنسي والمضايقات التي تتعرض لها العاملات في صمت؛ حيث يستغل عوز الفتيات وحاجتهن الماسة للمال لابتزازهن في لقمة عيشهن، وسط جدار سميك من الكتمان تفرضه مخاوف الفضيحة المجتمعية، وغياب آليات حماية داخلية تضمن سرية الشكايات وتحمي الضحايا من الانتقام الإداري.
ولم يقف التضييق عند الحقوق المادية والجسدية فحسب، بل امتد ليمس الشعائر الدينية والحرية الفردية المكفولة دستورياً؛ إذ يعاني عمال هذا القطاع من حرمان ممنهج من أداء الصلاة في أوقاتها، حيث تحسب الأنفاس وتقاس فترات ولوج المراحيض بالثواني والدقائق عبر رقابة صارمة، وبذلك يوضع العامل يومياً أمام خيار مهين: إما التخلي عن واجبه الديني أو مواجهة التوبيخ، الإنذار، وأحياناً الفصل بتهمة عرقلة سير الإنتاج.
وبناءً على هذه الشهادات المتطابقة لعدد من العمال المتضررين الذين يؤكدون أن هذا الوضع الكارثي يهدد السلم الاجتماعي بشكل مباشر ويسيء لسمعة المملكة الاقتصادية في المحافل الدولية، ترى هيئات مدنية وحقوقيون ونقابيون أن المخرج اليوم يتطلب تفعيل ميثاق وطني يضم آليات حازمة وقابلة للتطبيق. وتأتي في مقدمة هذه الخطوات ضرورة تأسيس تكتلات نقابية مستقلة، قادرة على كسر حاجز الخوف وتشكيل مكاتب قوية داخل المعامل لفرض اتفاقيات شغل جماعية تحمي الشغيلة بشكل منظم وموحد. وبالموازاة مع ذلك، يبرز المطلب الملح لتفعيل دور مفتشية الشغل، وذلك عبر نقل مفتشي الشغل من المقاربة الحمائية للمستثمر إلى الدور الرقابي الصارم والمفاجئ، والضرب بيد من حديد على كل المصانع المخالفة للمقتضيات القانونية. كما تتوحد الرؤى حول أهمية اعتماد سلاح التوثيق القانوني، من خلال تشجيع العاملات والعمال على رصد وحفظ حالات التحرش والشطط الإداري بالوسائل التي يعتد بها القضاء كشهادات الشهود أو محاضر المفوضين القضائيين، كآلية دفاعية كفيلة بكسر غطرسة الإدارة أمام المحاكم.
لا يمكن للمغرب أن يبني نهضته الصناعية الواعدة على حساب كرامة أبنائه وبناته؛ إن جلب الاستثمارات الخارجية أمر حيوي لا محيد عنه، لكن الأهم هو أنسنة قطاع الكابلاج، وتذكير أصحاب الرساميل بأن العامل المغربي ليس مجرد آلة رخيصة في دوامة الإنتاج، بل هو مواطن كامل الحقوق والكرامة.
