في لحظة تأمل عند مصب واد سوس بتراست (Tarraste)، مسقط رأسي، أستشعر يقينًا راسخًا بأن أخطر ما اقترفه الإنسان ليس استغلال الطبيعة في حد ذاته، بل محاولة إخضاعها وتطويعها بعقلية متعالية، متناسياً أن للكون قوانينه الدقيقة وتوازنه الأزلي الذي لا يقبل العبث.
كلما أمعنت النظر في التقاء مياه الوادي بملوحة المحيط، أدركت أن الطبيعة تتكلم بلغة واضحة:
من يفهمها يعيش في أمان، ومن يتجاهلها يدفع الثمن عاجلاً أو آجلاً.
إن ما نسمعه اليوم من انتقادات حول غياب الاستراتيجيات الاستباقية في مدننا، كما هو الحال في القصر الكبير أو بالمناطق المحاذية لواد سبو، ليس مجرد سجال سياسي أو تراشق بالاتهامات، بل توصيف دقيق لواقع مؤلم يختزل سنوات من التخطيط المرتبك، والتوسع العمراني غير المنضبط، والاستهانة بمجالات الأودية ومسارات المياه.
ألم يتساءل هذا الجيل يومًا: لماذا آثر القدماء الجبال والأماكن المرتفعة مساكن لهم، وابتعدوا عن السهول ومجاري الأودية وقرب البحر؟ أكان ذلك صدفة، أم حكمة متراكمة صاغتها تجربة العيش الطويل مع الطبيعة؟
في هذه المجالات الهشة، يقف السد اليوم وكأنه يصرخ في وجه الزحف العمراني:
«اخلوا أرضي وارجعوا من حيث أتيتم… المكان مكاني، والمجال مجالي».
سد أولوز (1991): شهادة ابن المصب على «جريمة جيل»
بصفتي شاهداً على تحولات هذا الوطن، وابن مصب واد سوس الذي كبرت وترعرعت على ضفافه، لا أجد توصيفًا أدق لما جرى من عبارة: «جريمة جيل» في حق هذا الشريان الطبيعي المبارك.
لقد شُيِّد سد أولوز سنة 1991 بدعوى حماية الفرشة المائية والحد من أخطار الفيضانات على بعض القرى والمدن التي شُيِّدت بمحاذاة الوادي، أو في بعض الحالات داخل مجراه نفسه، غير أن الواقع كشف أن الثمن كان باهظاً، وأن النتائج لم تكن في مستوى الوعود.
فحبس المياه خلف الجدران الخرسانية لم يمنع الوادي فقط من بلوغ مصبه الطبيعي، بل أدى إلى كسرٍ عميق في دورة الحياة.
انهار منسوب المياه الجوفية في السهل، وتراجع عمق الآبار من 20 و30 متراً قبل إنجاز السد إلى ما يفوق اليوم 300 متر، بل جفّت آبار كثيرة نهائياً ودخلت مياه البحر التي لاتنتج الخضروات مكانها.
وهكذا، بدل أن يكون السد مدخلاً لحماية الإنسان والطبيعة معًا، تحوّل إلى عنوان صارخ على كلفة الاختيارات غير المتوازنة حين تُتَّخذ بعيدًا عن منطق الاستدامة واحترام القوانين الطبيعي
لم يكن الوادي مجرد مجرى ماء، بل شريان حياة، وفضاء ذاكرة، ومدرسة مفتوحة للأجيال. ومع كل متر مكعب حُبس خلف الخرسانة، خسرنا جزءًا من هذا المعنى.
وهم السيطرة في مواجهة المعجزة الإلهية
يقول الحق سبحانه:
«وجعلنا من الماء كلَّ شيءٍ حيّ».
فكيف للإنسان أن يتوهم أنه قادر على التحكم المطلق في عنصر جعله الله أساس الحياة، وأن يمنعه من إتمام رحلته الطبيعية نحو مصبه في البحر؟
إنها دورة ربانية متكاملة، ومعجزة إلهية مستمرة، لا يمكن للبشر ـ مهما بلغوا من قوة وتقنية ـ أن يعبثوا بمسارها دون أن يدفعوا ثمناً باهظاً.
ودروس درنة في ليبيا، وألمانيا، وجدة ما تزال ماثلة أمام أعين العالم:
حين يُحاصَر الماء بالخرسانة، يعود ليستعيد مجراه بقوة.
وأكبر نموذج على حكمة القدماء في احترام الطبيعة هو كيف احترم الفراعنة الأمازيغ مجرى أعظم نهر في الكرة الأرضية، نهر النيل، فبنوا حضارتهم على ضفافه دون أن يختنق أو يُحاصَر، وجعلوا من التعايش معه أساسًا للاستقرار والازدهار، لا من محاولات إخضاعه أو كسر دورته الطبيعية
الطبيعة لا تنسى.
والمياه لها ذاكرة أطول من ذاكرة البشر.
وهي تستعيد حقوقها دائماً.
خلاصة
منذ وُلدت عند مصب واد سوس، تعلمت أن الوفرة لا تصنعها الجدران، بل يصنعها احترام الروابط:
الرابط بين الإنسان وأخيه الإنسان،
والرابط بين الأرض ومائها،
والرابط بين الحاضر وذاكرته.
كل مشروع يقطع هذه الروابط هو مشروع فاشل، مهما تزيَّن بالخرسانة ومهما رُوِّج له بالشعارات.
احترموا الأودية… يحترمكم الماء.
البشير احشموض (بوحشموض)
تراست (Tarraste)،يوم الاربعاء 4 فبراير 2026
