- مع احتفال المغاربة برأس السنة الأمازيغية الجديدة 2976 أسقاس أمقاس، لا تقتصر هذه المناسبة على بعدها الرمزي أو الفلكلوري، بل تشكل لحظةً تاريخية لاستحضار مسار طويل من التهميش والإقصاء الذي طال الثقافة الأمازيغية، مقابل نضال ممتد من أجل الاعتراف والإنصاف الثقافي واللغوي.
لقد عرفت الأمازيغية في المغرب، منذ ستينيات القرن الماضي، سياسة تهميش ممنهجة، تجلت في إقصاء اللغة والثقافة الأمازيغيتين من الفضاءين التعليمي والثقافي، في إطار تصور أحادي للهوية الوطنية. ولم تبدأ مرحلة التصحيح إلا مع مطلع الألفية الثالثة، حين تم الاعتراف بالأمازيغية كمكون أساسي من مكونات الهوية المغربية المتعددة، قبل أن تُتوَّج بترسيمها لغة رسمية للدولة، نتيجة نضال مجتمعي طويل وليس منحة ظرفية.
إن الثقافة الأمازيغية ليست مجرد تعبير محلي أو مكون جهوي، بل هي امتداد حضاري إفريقي ضارب في عمق التاريخ. فشمال إفريقيا كان مهدًا لأقدم الصناعات البشرية، كما تؤكد الاكتشافات الأثرية بالمغرب والجزائر، التي تعود إلى أزيد من مليون سنة. بل إن المغرب يُعد أحد أقدم مواطن الإنسان العاقل، ما يرسخ المكانة التاريخية العميقة للثقافة الأمازيغية في تشكل الحضارة الإنسانية.
ورغم هذا العمق التاريخي، لا تزال الأمازيغية عرضة لمحاولات الاختزال أو التشكيك، سواء عبر تصويرها كواجهة ثقافوية ظرفية، أو عبر حصرها في مقاربات طبقية أو اقتصادية ضيقة تتجاهل واقع التهميش اللغوي والثقافي الذي مورس عليها لقرون. فالقضية الأمازيغية ليست مجرد مسألة إنتاج أو طبقات اجتماعية، بل هي قضية عدالة ثقافية وهوية جماعية وحق في الوجود الرمزي والمؤسساتي.
إن الحركة الأمازيغية، التي انطلقت من هوامش المجتمع، شكلت عبر مسارها الطويل حركة مقاومة ثقافية سلمية ضد الهيمنة الإيديولوجية ومحاولات الصهر القسري في هوية أحادية. وهي بذلك تعبير أصيل عن التعدد المغربي، لا عن نزعة انعزالية أو توظيف سياسي ظرفي كما يحلو للبعض تصويرها.
إن الاحتفاء برأس السنة الأمازيغية يظل ناقصًا ما لم يُترجم إلى سياسات عمومية فعلية تضمن تعميم تدريس الأمازيغية، وتفعيل طابعها الرسمي في الإدارة والإعلام، ودعم البحث العلمي والأكاديمي المرتبط بها. فالدفاع عن الأمازيغية ليس ترفًا ثقافيًا، بل شرطًا أساسيًا لأي مشروع ديمقراطي حقيقي، لأن التحرر لا يكتمل دون إنصاف الذاكرة واللغة والهوية.
عبد الإله شفيشو – فاس
