المساء نيوز – الدكتور: عبدالقادر الحافظ بريهما
في مقاله التحليلي العميق «الصحراء الغربية: بين الوفاء للمبادئ وتحدي الواقعية السياسية»، قدّم الأستاذ والمحلل السياسي الموريتاني حمودي الغيلاني قراءة دقيقة وشجاعة لمسار القضية الصحراوية، من زاوية تجمع بين النقد الهادئ والتحليل الموضوعي. فقد لامس بعمق مأزق الخطاب الجامد الذي ما زالت جبهة البوليساريو أسيرته منذ عقود، وبيّن كيف تحوّل الوفاء للمبادئ – في غياب الواقعية – إلى عبءٍ يعمّق العزلة ويُفرغ النضال من معناه. فبين خطابٍ يردد شعارات الماضي دون فعل، وواقعٍ إقليمي ودولي متحوّل، أصبحت الحاجة إلى فكرٍ جديدٍ يتنفس الواقعية السياسية أكثر من أي وقت مضى. وانطلاقًا من هذه المقاربة الفكرية الرصينة، يمكن القول إن حركة صحراويون من أجل السلام تمثّل التجسيد العملي لما أشار إليه الأستاذ الغيلاني: التوفيق بين المبادئ التي تحفظ جوهر القضية، والواقعية السياسية التي تفتح أفق الحل. فهي لا تتنكر لحق الصحراويين في الكرامة والعدالة، لكنها تدرك أن الشعارات وحدها لا تبني مستقبلًا. ومن هنا، فإن قراءة الغيلاني تشكّل مرآة فكرية تسلط الضوء على لحظة التحوّل داخل الوعي الصحراوي، لحظة الانتقال من خطاب التحدي العقيم إلى مشروع التعايش الممكن، وهو ما تجسده اليوم حركة صحراويون من أجل السلام بكل شجاعة ومسؤولية.
إن جبهة البوليساريو لم تعد تلك الحركة التي تأسست على مبادئ الثورة والكرامة والتحرر، بل تحولت مع مرور الزمن إلى كيان جامد يردد الشعارات القديمة من دون أن يمتلك القدرة على مواجهة الواقع المتغير. لقد فقدت البوصلة، وانحرفت عن جوهر المبادئ التي أرساها مؤسسوها الأوائل، أولئك الذين حلموا بحرية الصحراويين وكرامتهم، لا بتحويلهم إلى أدوات في يد أجهزة أجنبية. واليوم، بعد خمسين سنة من المعاناة، لم يعد هناك ما يبرر هذا الإصرار العقيم على الاستمرار في طريق مسدود، يقود فقط إلى مزيد من الضياع والتشتت.
لقد أصبحت جبهة البوليساريو رهينة للقرارات القادمة من قصر المرادية، تُدار من بعيد، وتتحرك وفق إملاءات المخابرات الجزائرية التي حولت قضية إنسانية عادلة إلى ورقة ضغط إقليمية تُستعمل ضد المغرب. فبينما يُرسل أبناء البسطاء إلى ساحات الحرب أو يُتركون في المخيمات تحت رحمة الجوع واليأس، يعيش أبناء القيادات في النعيم، متنقلين بين العواصم والفنادق الفاخرة. إنها مفارقة صارخة تكشف حجم الانفصام بين الخطاب والواقع، وبين من يدّعون النضال ومن يتاجرون بدماء ومعاناة الصحراويين.
الجزائر، التي تزعم الدفاع عن تقرير المصير، تمارس أبشع أشكال الوصاية، إذ تحتجز الآلاف من أبناء الصحراويات في مخيمات تندوف، محرومين من أبسط حقوقهم في التنقل والاختيار، وتستخدمهم وقودًا لحربٍ لا تخصهم إلا بقدر ما تبرر بها حسابات جيوسياسية عقيمة. إنها وصاية مغلفة بالشعارات، تُخفي وراءها طموحًا قديماً للهيمنة الإقليمية، ورفضًا مزمنًا لأي حل يُخرج الملف من قبضتها.
وفي المقابل، برزت حركة صحراويون من أجل السلام كصوت جديد وعاقل، يعيد وصل ما انقطع بين المبادئ الأولى والواقعية السياسية. هذه الحركة التصحيحية خرجت من رحم المعاناة، من داخل الصفوف المهمشة التي سئمت الانتظار، لتقول بوضوح: كفى من الشعارات، كفى من الحروب العبثية، فالسلام الناقص خير من الحرب العادلة. إن شجاعة هذه الحركة تكمن في قدرتها على الجمع بين الإيمان بالمبادئ والقدرة على قراءة التحولات، وعلى مد اليد إلى الجميع من أجل بناء مستقبل مشترك لكل الصحراويين.
إن مشروع الحكم الذاتي الذي اقترحته المملكة المغربية يقدّم الإطار الواقعي والمنطقي لتجسيد هذا السلام. مشروع يحترم كرامة الإنسان الصحراوي ويمنحه حق تدبير شؤونه بنفسه في ظل السيادة الوطنية، دون وصاية أو تلاعب. وقد لقي هذا المقترح دعمًا دوليًا واسعًا غير مسبوق، حتى أن المبعوث الأممي ستافان دي ميستورا ودوائر القرار في واشنطن والاتحاد الأوروبي يعتبرونه الأساس الأكثر جدية ومصداقية لإنهاء هذا النزاع الذي طال أكثر مما ينبغي.
إن استمرار جبهة البوليساريو في التمسك بخطابها القديم ليس سوى رهان على الوهم، بينما يتحرك العالم نحو الواقعية والحلول الملموسة. أما الجزائر، فستكتشف قريبًا أن استثمارها في معاناة الصحراويين كان خطأً أخلاقيًا واستراتيجيًا، وأن زمن المتاجرة بالقضية قد انتهى. فالحقيقة اليوم أن ملف الصحراء يتجه نحو الحسم، وأن التاريخ لا ينتظر المترددين.
وفي الذكرى الخمسين للمسيرة الخضراء، تبدو الصورة أوضح من أي وقت مضى: المغرب ماضٍ في ترسيخ مشروعه التنموي والحكومي بالأقاليم الجنوبية، والصحراويون الحقيقيون يستعدون لاستعادة زمام مصيرهم بأيديهم، ضمن وطنهم، وتحت رايتهم، وبكرامة تليق بتاريخهم. أما جبهة البوليساريو، فقد أضاعَت الطريق، ولم يعد أمامها سوى أن تختار: أن تبقى رهينة الأوهام، أو أن تلتحق بقطار السلام الذي انطلق ولن يتوقف.
