عبدالله تخشي
في مثل هذا اليوم، تحلّ الذكرى الثلاثون لمجزرة سربرنيتسا، إحدى أكثر الجرائم دموية في التاريخ الحديث، والتي ارتكبها مجرمو صرب البوسنة ضد أكثر من ثمانية آلاف مسلم بوسني، معظمهم من الرجال والشيوخ والأطفال، في محاولة ممنهجة لـ”التطهير العرقي” تحت أنظار العالم الصامت. جريمة لم تكن ضد بشر مجردين من الهوية، بل كانت جريمة ضد الهوية الإسلامية، وضد الوجود المسلم في أوروبا.
واليوم، ونحن نُحيي هذه الذكرى الأليمة، تتجدد المأساة في غزة، حيث تتعرض المدينة لأبشع أنواع القتل الجماعي والإبادة، على يد الاحتلال الإسرائيلي، بذريعة “محاربة حركة حماس”. لكن الواقع يُكذب الرواية: الضحايا ليسوا مقاتلين، بل مدنيون عُزّل، أطفال ونساء وشيوخ، يُبادون بدمٍ بارد.أكثر من ألف شهيد حتى الآن، وآلاف الجثث لا تزال تحت الأنقاض، والعدوان مستمر، في إبادة جماعية موثقة بالصوت والصورة، هي الأولى من نوعها بهذا الحجم في العصر الحديث.
ازدواجية المعايير: ثوابت لا تتغير
ما تكشفه هذه الأحداث، من سربرنيتسا إلى غزة، هو واقع مرير يعيشه المسلمون حول العالم، حيث يتغير المجرم وتبقى الضحية واحدة. النظام الدولي الذي يُمجّد “العدالة وحقوق الإنسان والكرامة”، يُقصي هذه القيم عندما تكون الضحية مسلمة.
فقد صمت العالم عن جرائم الحرب في العراق، وتواطأ مع المذابح في البوسنة، واليوم يصمت عن المجازر في غزة، تمامًا كما صمت عن ما حدث في سوريا من قتل وتهجير.
المؤلم أكثر هو أن القوى العظمى التي تتصارع على النفوذ، تتوحد ضمنيًا في تبرير أو حماية الجرائم ضد المسلمين. أمريكا، التي تمارس دور “الوصي الأخلاقي”، دعمت احتلال العراق، وأفغانستان، واليوم تُغطي جرائم إسرائيل سياسيًا وعسكريًا.
روسيا، التي يراها البعض قوة مضادة للهيمنة الغربية، ارتكبت الفظائع في سوريا، ودعمت صربيا خلال مذابح البوسنة، وزوّدتها بالسلاح، ولا تزال حليفة لها حتى اليوم.
وليس غريبًا أن روسيا استخدمت حق الفيتو لمنع قرار يُدين مجزرة سربرنيتسا، تمامًا كما استخدمت أمريكا الفيتو لإفشال قرارات وقف إطلاق النار في غزة، ومنع منح فلسطين العضوية الكاملة في الأمم المتحدة. اختلاف الأدوات، وتشابه النتائج.
لا تنخدعوا بالمواقف “الداعمة“
من السذاجة أن نُصدق أي طرف دولي حين يتظاهر بدعم القضية الفلسطينية أو غيرها من القضايا العادلة، لأن مثل هذه المواقف غالبًا ما تكون أوراق ضغط سياسية وليست مواقف مبدئية.
فبينما تُصدر روسيا بيانات دعم لغزة، كانت ولا تزال شريكة في دعم أنظمة قتلت وهجّرت ملايين المسلمين. وبالمثل، تُصدر أمريكا عقوبات رمزية على شخصيات من صرب البوسنة مثل ميلوراد دوديك وغيره، في حين تُواصل دعم إسرائيل بلا شروط.
خاتمة: المأساة واحدة… ودرس التاريخ يتكرر
ما جرى في سربرنيتسا لم يكن حادثًا استثنائيًا، بل كان إنذارًا مبكرًا لطبيعة النظام العالمي، الذي يرى في المسلم “الآخر” الأقل أحقية بالحياة والحرية. وما يحدث اليوم في غزة، هو استمرار لذلك المسار الإجرامي، وإن اختلف المجرمون.
من صربيا إلى إسرائيل، ومن روسيا إلى أمريكا، تتغير الشعارات، وتتعدد الشعوب، لكن الضحية واحدة: المسلم الذي يُقتل، ويُشرد، ويُحاصر، ويُتهم، ثم يُطلب منه أن يكون “معتدلاً”، وأن يشكر العالم لأنه لا يزال حيًا!
إن لم نقرأ التاريخ جيدًا، فسيظل يعيد نفسه، بدماء جديدة، وأسماء جديدة، ولكن النتيجة ذاتها: ظلم بلا حساب… وحق يُغتال على مرأى العالم.
