عبدالله سدراتي – الدارالبيضاء الكبرى
يُمثّل صدورُ كتاب “أنثروبولوجيا السوق والتسوق: التأويل الثقافي للممارسات الاقتصادية” للأستاذ عبد الرحيم العطري، عن دار مقاربات للنشر بفاس، في 620 صفحة من القطع الكبير، حدثاً أكاديمياً بارزاً في سياق الدراسات الأنثروبولوجية المغربية المعاصرة. فالأستاذ العطري، بوصفه أحد أبرز المشتغلين بعلم الاجتماع والأنثروبولوجيا في جامعة محمد الخامس بالرباط، لا يُقدّم في هذا المؤلَّف إضافةً كمّيةً إلى رصيده العلمي، بل يُعلن عن تحوّل نوعي في مساره البحثي، يضع من خلاله السوقَ — بوصفه فضاءً رمزياً وثقافياً واجتماعياً — في قلب الاهتمام الأنثروبولوجي.
أوّلاً : الميدان أساساً معرفياً
ما يميّز هذا العمل في منطلقه المنهجي هو انحيازه الصريح إلى الإثنوغرافيا متعددة المواقع ركيزةً إبستيمولوجية لا مجرّد أداةٍ للجمع. فقد امتدّ العمل الميداني على ثلاث سنوات متواصلة، خاض خلالها الباحث تجربة الحضور المباشر في فضاءات السوق المتنوعة، مُتتبِّعاً حركة الأشياء والفاعلين والخطابات في سياقاتها الحيّة. ومن هذا الانغماس الميداني المديد تبلورت الأسئلة الكبرى التي يُؤطَّر بها العمل: كيف يُشكّل الاقتصادُ الاجتماعَ؟ وبأيّ آليات يُعيد الاجتماعُ إنتاجَ المنطق الاقتصادي وتشكيله؟ وأين تقع الشفرة الثقافية المُنظِّمة لهذه العلاقة الجدلية؟
إن الرهان المنهجي الذي يُصرّح به المؤلف في مدخله البحثي — من خلال التنصيص على مفاهيم الانعكاسية المنهجية والتدبير الميداني وشواغل العمل — لا يُعبّر فحسب عن وعي أدواتي متقدّم، بل يُجسّد أيضاً التزاماً بمنطق الأنثروبولوجيا النقدية التي ترفض التسليم بالمقولات الجاهزة وتُؤثر مساءلة الواقع بعيون الفاعلين أنفسهم.
ثانياً : الاتّصال المعرفي ومنطق التراكم
لا يقوم هذا المؤلَّف في فراغٍ، ولا يدّعي القطيعة مع ما أنجزه صاحبه قبلاً. فالعطري يُقدّمه بوضوح باعتباره امتداداً واستئنافاً لمسار بحثي متراكم، تعامل فيه مع الاقتصادي كبُعدٍ بنيوي مُهيكِل للاجتماعي، في أعمال طالما جاورت أسئلة السوق دون أن تُواجهها مباشرةً: من “المسألة القروية” إلى “صناعة النخبة”، ومن “بركة الأولياء” إلى “أنثروبولوجيا الحج الإسلامي”. كلّ تلك الأعمال كانت تُطلّ على الفعل الاقتصادي من زوايا مائلة، عبر الاقتصاد الرمزي والمقاولة العائلية والتبادلات الهِبَوِية والسوق الدينية.
ما يُحقّقه هذا الكتاب إذن هو إعادة تركيب تلك التضاريف البحثية المتفرّقة في بنيان نظري وتحليلي متماسك، يتخذ من “النقد المنفتح” منهجاً لا يكتفي بوصف الظواهر، بل يسعى إلى تأويلها في ضوء سياقاتها الكلية وارتباطاتها العلائقية.
ثالثاً : البنية وتعدّد مستويات القراءة
تكشف الخريطة الموضوعاتية للكتاب — الممتدة عبر أربعة عشر فصلاً — عن مشروع تأسيسي بامتياز، يُحكِم المزج بين التنظير والتطبيق، وبين الكلّي والجزئي. إذ ينتقل العمل من التأسيس النظري للأنثروبولوجيا الاقتصادية، إلى الهندسة الثقافية للأسواق الأسبوعية، مروراً بقضايا ذات حساسية سوسيولوجية رفيعة كأوضاع نساء السوق وتفاوضهن مع الفقر، والصراع على اقتصاد القرب، والأسواق الموازية والاقتصاد اللامرئي، وصولاً إلى راهنيات التسوق الرقمي واقتصاد المنصات.
ولعلّ أكثر ما يُستوقف فيه هو تلك الفصول التي تُبادل بين المُقدَّس والمُدنَّس اقتصادياً، كفصليْ السوق والمقدّس الديني ونسق الدلالة والمبارزات الرمزية، فضلاً عن الخاتمة الاستشرافية التي تحمل عنواناً دالاً ومُستفزّاً في آنٍ: “ما بعد السوق”، إذ لا تُغلق الكتاب بل تُبقي أسئلته مفتوحةً على أفقٍ لم يكتمل بعد.
رابعاً : المقاربة الثقافية للفعل الاقتصادي
تقوم أطروحة الكتاب المركزية على نقد مزدوج: نقد للاقتصاد النيوكلاسيكي الذي يختزل الفاعل في كائن عقلاني يُقرّر وفق منطق الربح والخسارة، ونقدٌ للتصوّرات الاجتماعية التي تُهمّش البُعد الاقتصادي أو تُجرّده من ثقله البنيوي. في مقابل ذلك، يُؤكّد العطري أن الفعل الاقتصادي في جوهره فعلٌ سوسيوثقافي مُركَّب، تتشابك فيه المصالح والرموز والمعاني والهويات والطقوس، وأن السوق ليس ساحةً للتبادل المادي وحسب، بل هو مختبرٌ بشري تُكتَب فيه الفوارق الاجتماعية، وتُفاوَض الهويات، وتُعاد رسم حدود الانتماء والإقصاء.
هذا التأطير يُنسجم مع ما أرساه بورديو في نظريته عن الحقل الاقتصادي والرأسمال الرمزي، غير أن العطري يُجرّي ذلك على مواد إثنوغرافية محلية ثريّة، مما يُضفي على تحليله خصوصيةً سياقية لا تجعل منه مجرّد تطبيقٍ لنموذج مستورد.
خامساً: الموقع الأكاديمي وقيمة الريادة
تتجلّى القيمة العلمية الاستثنائية لهذا العمل أيضاً من خلال موقعه في حقل الدراسات الأنثروبولوجية المغربية. فباستثناء دراسة كليفورد غيرتز الكلاسيكية عن سوق صفرو، والأعمال الجغرافية لتروان، يكاد ينعدم في المكتبة الأكاديمية المغربية المعاصرة عملٌ أنثروبولوجي تناول فضاء السوق بهذه الشمولية والمنهجية والعمق. من هنا تنبع ريادة هذا العمل: إنه يملأ فراغاً حقيقياً، ويُرسي نموذجاً إجرائياً يمكن أن يُشكّل مرجعاً للباحثين في جيل قادم.
لا يخفى أن العطري — الفائز بجائزة المغرب للكتاب في العلوم الاجتماعية — قد سبق وأطلق أوّل ماستر متخصص في الأنثروبولوجيا بالجامعة المغربية، مما يجعل هذا الكتاب في الوقت نفسه دليلاً منهجياً للراغبين في ولوج حقل البحث الإثنوغرافي، يُعلّم كيف يُفكَّر وكيف يُكتب وكيف يُساءل الميدان.
خلاصة
في مجمله، يُشكّل هذا الكتاب إسهاماً نوعياً في مشروع بناء أنثروبولوجيا مغربية قادرة على استيعاب تعقيدات الواقع المجتمعي المحلي وتأويله، دون أن تُخضعه لمناهج مستوردة تنتهي به إلى إفقاده خصوصيته. إنه دعوةٌ مفتوحة إلى إعادة التفكير في السوق لا بوصفه موضوعاً اقتصادياً صرفاً، بل بوصفه نصّاً ثقافياً يستحق أن يُقرأ بكلّ عدّة الأنثروبولوجيا وصبرها وتواضعها المعرفي.
وقَّع الكتاب خلال فعاليات المعرض الدولي للكتاب والنشر بالرباط، يوم السبت 9 ماي 2026، ابتداءً من الساعة الرابعة مساءً ، في رواق دار الأمان — الجناح C46.
