في لحظة ثقافية تتعالى فيها الأسئلة المؤجلة حول الهوية والاختلاف، يبرز اسم عبد الوهاب حداشي كأحد الأصوات التي اختارت مواجهة المسكوت عنه بجرأة فكرية وأدبية. أستاذ الفلسفة بمديرية تنغير، والباحث في ماستر التربية الجمالية بكلية علوم التربية بالرباط، ينقل انشغاله المعرفي من فضاء الدرس إلى فضاء الرواية، ليحوّل الكتابة إلى أداة نقد ومساءلة.
روايته الأولى “سيليا”، التي صدرت في ربيع 2024، تعود اليوم في طبعة ثانية بعد نفاد الأولى، في دليل واضح على صدى هذا العمل لدى القراء. داخل المعرض الدولي للنشر والكتاب بالرباط، تسجل الرواية حضورًا لافتًا، حيث يتقاطر الزوار بكثرة على اقتنائها، في مشهد يعكس نجاح نص اختار أن يلامس منطقة حساسة دون تردد.
“سيليا” ليست مجرد عمل سردي، بل نص ينبض بقلق فلسفي عميق، يتخذ من الخيال الخلّاق وسيلة لتفكيك واقع اجتماعي معقّد، خصوصًا ما يتعلق بظاهرة الميز العنصري في مجتمعات الجنوب الشرقي. تطرح الرواية أسئلة حارقة: ما أصل النظرة الدونية المرتبطة بلون البشرة؟ كيف تحول “السواد” إلى معيار للإقصاء؟ ولماذا يستمر هذا التصنيف في تشكيل نظرة المجتمع إلى أفراده؟
من خلال شخصية “أمين”، الأستاذ الجامعي الذي يتعرض لصدمة قاسية بعد رفض زواجه بسبب الاختلاف العرقي، تنكشف أبعاد الجرح الإنساني في أقسى تجلياته. ليس الأمر مجرد خيبة عاطفية، بل انهيار داخلي يدفعه إلى الانسحاب نحو قرية “تاملالت”، في محاولة للبحث عن ذاته وترميم ما تصدّع داخله.
في هذا الفضاء الهادئ، تعود “سيليا” إلى الواجهة، صديقة الماضي التي تتحول إلى بوابة لفهم الحاضر. ومن خلال هذا اللقاء، تنفتح الرواية على مرافعات فكرية عميقة، حيث يمتزج السرد بالتحليل، ويغدو النص مساحة لتفكيك جذور العنصرية واستنطاق أبعادها التاريخية والثقافية.
ولا تقف الرواية عند حدود هذا الملف الشائك، بل تتوسع لتلامس قضايا اجتماعية أخرى، من بينها معاناة الأمهات العازبات، في طرح إنساني يرفض الأحكام الجاهزة ويسعى إلى إعادة الاعتبار للأصوات المهمشة .الإقبال اللافت على “سيليا” داخل المعرض الدولي للنشر والكتاب لا يمكن اختزاله في النجاح التجاري فقط، بل يعكس تحوّلًا في ذائقة القارئ المغربي، الذي بات يبحث عن نصوص جريئة، صادقة، وقادرة على ملامسة الواقع دون تزييف. إنه إقبال يؤكد أن الأدب حين يقترب من الحقيقة، يجد دائمًا من يصغي إليه.

بهذا العمل، يثبت عبد الوهاب حداشي أن الرواية ليست مجرد حكاية تُروى، بل موقف يُكتب. “سيليا” عمل أدبي يضع القارئ أمام مرآة الذات، ويدفعه إلى إعادة التفكير في علاقته بالآخر، بعيدًا عن الصور النمطية والأحكام المسبقة.
إنها رواية تُقلق بقدر ما تُنير، تفتح جراحًا قديمة، لكنها في الآن ذاته تلمّح إلى أفق ممكن، عنوانه الأبرز: التعايش، والاعتراف، والإنصاف .
