بقلم : عبد الرحيم ند بلعيد فم الحصن طاطا.
بدأت المياه الراكدة تتحرك، لكن ليس لأن الوعي انتصر، بل لأن نفس الأدوات القديمة عادت إلى الواجهة، فقد استفاق “السحرة” من سباتهم، لا ليقترحوا بدائل حقيقية، بل ليعيدوا إنتاج نفس الخطاب، رفقة حراس المصالح والولاءات.
عادت كلمات من قبيل “سي فلان” و”ابن عمي” لتتردد من جديد، وكأن الزمن لم يتحرك، وكأن منطق القرابة لم يفضح بعد، وكأن العار لم يعد عارا في ميزان السياسة المحلية بإقليم طاطا.
ليس هكذا تؤكل الكتف، وليس هكذا يدار الشأن العام في زمن يفترض أنه زمن وعي ومسؤولية،إن ما نعيشه اليوم ليس مجرد اختلاف في وجهات النظر، بل هو تعارض عميق في الرؤية والمنهج ومعنى الانتماء ذاته، هناك من يختزل الانتماء في شبكة علاقات ضيقة تحكمها المصالح، وهناك من يراه التزاما أخلاقيا تجاه الإنسان والمجال، قائما على الكفاءة والعدالة والإنصاف.
غير أن السؤال الجوهري الذي يفرض نفسه بإلحاح هو: لماذا كل هذا الضجيج بإقليم طاطا حول من سيترشح للانتخابات؟ ولماذا يراد توجيه النقاش في هذا الاتجاه الضيق؟ بدل فتحه على القضايا الحقيقية التي تهم الساكنة(الصحة،التعليم،التشغيل والبنية التحتية…)،إن التركيز على الأسماء بدل الحصيلة ليس أمرا عفويا، بل هو أسلوب مألوف لإبعاد النقاش عن جوهره، وتحويله من مساءلة الإنجازات إلى صراع مواقع وإعادة إنتاج نفس الوضعية.
أليس من الأجدر أن توضع الأسماء المتداولة في ميزان الفعل لا في ميزان الولاء؟ هل تغيرت طاطا في السنوات الماضية التي تناوبوا على تسيرها؟ هل انخفضت معدلات البطالة؟ هل تحسن مستوى الخدمات الصحية والتعليمية؟ وهل أصبحت البنية التحتية تعكس حدا أدنى من الكرامة الإنسانية؟ وإذا كان الجواب سلبا، فلماذا يستمر نفس الخطاب ونفس الوجوه في تقديم نفسها كحلول، رغم أن الواقع يشي بعكس ذلك؟
ثم ماذا عن الثروة بالإقليم؟ من يستفيد فعليا من خيرات طاطا، وكيف تنعكس على الساكنة؟ كيف يمكن تفسير وجود إمكانيات فلاحية تسويقية مهمة، ومؤهلات طبيعية قابلة للاستثمار، بل وحتى ثروات كامنة ومؤهلات طبيعية، في مقابل استمرار الهشاشة وغياب فرص العيش الكريم؟ أين تذهب عائدات هذه الأنشطة، ولماذا لا تترجم إلى تنمية محلية محسوسة؟ وكيف نفسر تعطل جزء من هذه الإمكانات بسبب إشكالات حدودية، خاصة المرتبطة بأراضي درعة، التي تحولت من رافعة محتملة للتنمية إلى مجال للتوتر والجمود؟ أليس من حق الساكنة أن تتساءل عن نصيبها من هذه الثروة، وعن موقعها في معادلة الإنتاج والتوزيع؟
إن استمرار ارتفاع معدلات الهجرة، وتكرر مظاهر التهميش والإقصاء، وعودة الاحتجاجات الاجتماعية، كلها مؤشرات لا يمكن تجاهلها أو تزييفها بخطابات جاهزة. فكيف يمكن تفسير هذه الاختلالات في ظل حضور دائم لنفس الفاعلين الذين يعلنون أنهم في خدمة “الطاطويين”، وأي خدمة هذه التي لا تترجم إلى نتائج ملموسة في حياة الناس؟
المشكل إذن لا يكمن فقط في الأشخاص، بل في منطق يعيد إنتاجهم، وفي ثقافة سياسية تفضل الولاء على الكفاءة، والقرابة على الاستحقاق، والضجيج على الفعل، إن تغيير الوجوه في غياب تغيير قواعد اللعبة، لا يؤدي إلا إلى إعادة إنتاج نفس الواقع بأشكال مختلفة.
لذلك، فإن الرهان الحقيقي لا ينبغي أن يكون على “من سيترشح”، بل على “ماذا تحقق؟” و”ماذا سيتحقق”؟ فالتغيير لا يبدأ من صناديق الاقتراع ، بل من وعي جماعي يرفض أن يختزل في أسماء، ويصر على ربط السياسة بالمحاسبة، والتمثيلية بالإنجاز، والخطاب بالفعل،دون ذلك سيبقى كل شيء على حاله، وسنستمر في الدوران داخل نفس الحلقة، نردد نفس الشعارات، وننتظر نتائج لا تأتي.
وفي الأخير، يبقى الأمل معقودا على الساكنة نفسها؛ على قدرتها على تجاوز الانقسامات، وتوحيد صوتها حول مطالب جوهرية واضحة، تضع حدا لوضعية الهامش والإقصاء.
فبنضالها الجماعي، وبوعيها بحقوقها، يمكن كسر حلقة إعادة إنتاج نفس الواقع، والحد من نزيف الهجرة القسرية، وضخ دماء الحياة في منطقة واحية مهددة بالاندثار، دون ذلك سنظل ندور في نفس الحلقة، نكرر نفس الشعارات، وننتظر نتائج لا تأتي.
