أمكار عصام
بداية لا يمكن لأي متتبع أن يتجاهل التحول العميق الذي تعرفه أكادير اليوم، ولا أن ينساق خلف قراءات تختزل واقعًا متشعبا في انطباعات عابرة، فحين نتحدث عن مدينة تعيد تشكيل ذاتها فإننا لا نتحدث عن لحظة عابرة، بل عن مسار متكامل تُصاغ تفاصيله في الميدان، وتُختبر نتائجه في حياة الناس، ومن هنا فإن كل خطاب يحاول القفز على هذه الحقيقة، إنما يصطدم بواقعٍ حي يراه المواطن ويلامسه يوميًا، ولا يحتاج فيه إلى وسيطٍ ليقنعه بما يجري .
بل إن المتأمل في تفاصيل هذا التحول يدرك أن الأمر يتجاوز مجرد تحسينات مؤقتة، ليصل إلى إعادة بناء عميقة للهوية الحضرية للمدينة، وهذا ما يجعل أكادير اليوم ليست فقط في طور التغيير، بل في طور صناعة نموذج تنموي جديد يُحتذى به .
وإذا كان من اللازم توضيح الأمور، فإن ما تحقق لم يكن نتيجة ظرف طارئ، بل هو ثمرة قيادة اختارت أن تجعل من الفعل أساسا، ومن الالتزام منهجا، وفي هذا السياق يبرز دور والي جهة سوس ماسة سعيد أمزازي الذي لم يتعامل مع المسؤولية بمنطق التدبير التقليدي، بل بروحٍ ميدانية تجعل من كل ورش مسؤولية مباشرة، ومن كل مشروع التزامًا شخصيا، لأن الرجل أعاد الاعتبار لمعنى القرب من الواقع، فصار الحضور في الميدان ليس مجرد واجب بل أداة لفهم أدق التفاصيل وتسريع وتيرة الإنجاز،
وهو ما انعكس بوضوح على نجاعة القرارات المتخذة، حيث أصبحت تستند إلى معطيات واقعية لا إلى تقديرات نظرية، كما أن هذا الحضور الميداني منح ثقة أكبر للمتدخلين وخلق دينامية عمل قائمة على الانخراط الجماعي .
ثم إن التمييز بين النقد البنّاء والتشويش المقصود، يظل ضروريًا لفهم طبيعة النقاش الدائر، فالنقد حين يكون نابعا من حرص حقيقي على المصلحة العامة يظل قيمة مضافة، أما حين يتحول إلى أداة لتغذية الشكوك دون سند، فإنه يفقد جوهره، لذلك فإن ما يُروج أحيانا من صور مغايرة لا يصمد طويلا أمام منطق الواقع، لأن الإنجازات حين تكون ملموسة تصبح أقوى من أي خطاب يحاول النيل منها .
كما أن وعي المواطن اليومي بما يجري، يجعله أكثر قدرة على التمييز بين الحقيقة والتضليل، وبين من ينقل الواقع ومن يعيد تشكيله وفق أهوائه، وهذا الوعي المجتمعي يشكل في حد ذاته صمام أمان ضد كل محاولات التشكيك والتشويش .
ومن جهة أخرى فإن ما تعيشه أكادير اليوم ليس مجرد تكديس لمشاريع فحسب، بل هو بناء متكامل لرؤية تنموية واضحة المعالم، فقد أصبحت مختلف القطاعات تتحرك في إطار منسجم، يربط بين البنية التحتية، والتنمية الاقتصادية، وتحسين جودة العيش، وهذا التوجه لم يأتِ من فراغ بل من إرادةٍ واعية بضرورة الانتقال من التدبير الجزئي إلى التخطيط الشامل، وهو ما انعكس في تسارع وتيرة الأوراش وتنوعها .
ولعل ما يميز هذه المرحلة هو أن المشاريع لم تعد معزولة، بل أصبحت حلقات ضمن منظومة متكاملة، تُغذي بعضها البعض وتُعزز أثرها المشترك، وهو ما يضمن استمرارية هذه الدينامية وعدم توقفها عند حدود زمنية ضيقة .
وفي مواجهة بعض الأصوات التي تحاول التقليل والنيل من هذا المسار، فإن الرد لا يكون بالانجرار إلى سجالاتٍ هامشية، بل بتثبيت حقيقة أن منطق الدولة لا يُقاس بالكلام الفضفاض بل بالنتائج . فالتجارب الناجحة لا تحتاج إلى تبرير نفسها، لأنها تُثبت حضورها بما تُحدثه من تغيير فعلي، وهنا يصبح الفرق واضحًا بين من يكتفي بالتحليل من بعيد، ومن ينخرط في صناعة التحول من داخل المطبخ .
كما أن الرهان الحقيقي يظل على الزمن، لأنه الكفيل بفرز الخطابات وتمييز الصادق منها عن الزائف، فمع مرور الوقت لا يبقى إلا ما هو راسخ، وتسقط بعد ذلك كل المزايدات .
ولعل من أبرز ما يعزز هذا المسار هو الثقة التي يحظى بها من أعلى مستوى في الدولة، حيث إن تجديد الثقة في الوالي سعيد أمزازي من طرف جلالة الملك محمد السادس في أكثر من مجلس وزاري، يندرج ضمن رؤية واضحة تقوم على تثمين الكفاءة وربط المسؤولية بالنتائج، فهذه الثقة ليست مجاملة، بل تقدير لمسار قائم على الجدية والانضباط، وهو ما يشكل في حد ذاته رسالة قوية بأن الاتجاه المتبع يسير في الطريق الصحيح .
كما أنها تعكس حرص الدولة على ضمان استمرارية المشاريع الكبرى، وعدم ربطها بتغير الأشخاص بقدر ما ترتبط بثبات الرؤية، وهو ما يعزز الاستقرار المؤسساتي ويمنح الفاعلين وضوحًا أكبر في العمل .
وعلاوة على ذلك فإن الإشعاع الذي باتت تعرفه أكادير على المستوى القاري والدولي، يؤكد أن العمل المنجز لم يعد محصورًا في نطاقه المحلي، فالإشادات التي صدرت خلال التظاهرات الكبرى، وعلى رأسها تلك المرتبطة بكأس الأمم الإفريقية الأخيرة، لم تكن إلا اعترافًا صريحًا بجاهزية المدينة وقدرتها على التنظيم، كما أن حضورها المتزايد كوجهة سياحية يعكس صورة مدينة لها مكانتها وأصبحت تقدم نفسها بثقة أمام العالم .
وهذا الإشعاع لم يأتِ من فراغ، بل هو نتيجة استثمار طويل في البنية التحتية وفي تحسين صورة المدينة، كما أنه يفتح آفاقًا جديدة للاستثمار والسياحة، ويعزز موقع أكادير ضمن الخريطة القارية والدولية .
وفي هذا السياق يمكن استخلاص درس بليغ من تجربة جهة سوس ماسة مفاده أن الطريق إلى القمة لا يُختصر بالشعارات، بل يُبنى بالصبر والتدرج، فمن يندفع سيتعثر، أما من يسير بخطى ثابتة فإنه يضمن الاستمرارية، وهذا هو جوهر النهج الذي يتم اعتماده اليوم، حيث يتم التركيز على تحقيق نتائج ملموسة بدل البحث عن مكاسب ظرفية.
كما أن هذا النهج يعكس نضجا في الرؤية، حيث يتم تغليب منطق البناء الطويل المدى على الحلول السريعة، وهو ما يمنح هذا المسار قوة أكبر وقدرة على الصمود أمام التحديات .
وانطلاقًا من ذلك تبدو كل محاولات التشويش وكأنها خارج إيقاع التاريخ، لأنها لا تواكب الدينامية التي تعيشها الجهة ولا تستوعب حجم التحولات الجارية، فهي تظل مجرد أصوات عابرة، لا تملك القدرة على التأثير في مسارٍ يستند إلى رؤية واضحة وإرادة قوية .
بل إن استمرار هذه الدينامية يجعل من تلك المحاولات هامشية بطبيعتها، لأنها لا تجد ما تستند إليه في الواقع، ومع توالي الإنجازات يخفت أثرها أكثر فأكثر .
إن أكادير اليوم تقدم نموذجًا حيًا على أن العمل الجاد يظل أبلغ رد على كل خطاب مضاد، فحين يتحدث الواقع، تصمت التأويلات وحين تظهر النتائج تتراجع الشكوك، وبين من يختار أن يكون جزءا من هذا التحول، ومن يكتفي بمراقبته من بعيد، يبقى الفارق واضحًا… لأن التاريخ في نهاية المطاف، لا يخلّد إلا أولئك الذين صنعوا الأثر وتركوا بصمتهم في مسار التنمية .
وهكذا فإن ما يُكتب اليوم في أكادير ليس مجرد مرحلة عابرة، بل مسارا جديدا من مسارات البناء الوطني، فصل عنوانه العمل ومضمونه الثقة، وهدفه الوصول إلى تنمية شاملة تليق بطموحات الوطن والمواطن .
