المساء نيوز – نورالدين فخاري
منذ أيام، يشهد سوق غاز السيارات (GPL) حالة من الاضطراب غير المسبوق، انعكست بشكل مباشر على حركة التنقل اليومية، خصوصاً لدى فئة واسعة من السائقين الذين يعتمدون عليه كبديل اقتصادي لتقليص كلفة الوقود. وقد عادت طوابير الانتظار أمام محطات التزود، إلى جانب غياب المادة في عدد من نقاط البيع، لتطرح تساؤلات ملحّة حول أسباب هذه الأزمة وحدود تأثيرها.
وتشير المعطيات الأولية المتداولة إلى احتمال وجود خلل في سلاسل التزويد، سواء على مستوى الاستيراد أو التوزيع الداخلي. غير أن غياب توضيحات رسمية دقيقة يزيد من تعقيد المشهد، ويترك المجال مفتوحاً أمام تعدد الروايات والتأويلات. فبين من يعزو الأزمة إلى ارتفاع مفاجئ في الطلب، ومن يربطها بإشكالات لوجستية أو تنظيمية، يبقى الواقع واحداً: نقص ملموس في مادة حيوية دون تفسير واضح للرأي العام.
وتكشف هذه الوضعية، مرة أخرى، هشاشة التوازن بين العرض والطلب في هذا القطاع، حيث يبدو أن أي اضطراب، ولو كان محدوداً، قادر على إحداث اختناق واسع في السوق. كما تبرز هذه الأزمة الحاجة إلى آليات استباقية أكثر فعالية قادرة على امتصاص الصدمات، سواء عبر تعزيز قدرات التخزين الاستراتيجي أو عبر تحسين التنسيق بين مختلف المتدخلين في سلسلة التزويد.
ولا يمكن فصل هذه التطورات عن إشكالية الحكامة في تدبير هذا القطاع، إذ يلاحظ غياب تواصل مؤسساتي واضح يحدد طبيعة الخلل وحجمه، ويطمئن المستهلكين بشأن مآلات الوضع. فالصمت في مثل هذه الحالات لا يساهم إلا في تغذية القلق وفتح المجال أمام الشائعات، ما يزيد من حدة الأزمة بدل المساهمة في احتوائها.
من جهة أخرى، تضع هذه الأزمة فئة المهنيين، خاصة سائقي سيارات الأجرة والنقل الخفيف، في وضعية هشاشة متزايدة، باعتبار أن مداخيلهم اليومية ترتبط بشكل مباشر بتوفر هذه المادة الحيوية. ومع استمرار النقص، قد تتسع دائرة التأثير لتشمل قطاعات أخرى مرتبطة بحركية النقل، ما ينذر بتداعيات اقتصادية واجتماعية أوسع في حال استمرار الوضع على ما هو عليه.
وفي ظل هذه المعطيات، يطرح ما يحدث اليوم سؤالاً جوهرياً يتجاوز الظرفية الحالية: هل نحن أمام خلل عابر في سلاسل التوريد، أم أمام أزمة بنيوية تتطلب مراجعة شاملة لآليات تدبير سوق غاز السيارات؟ الإجابة عن هذا السؤال تبقى رهينة بمدى استعداد الجهات المعنية لتقديم معطيات دقيقة وشفافة، وتحديد المسؤوليات بشكل واضح.
إن تجاوز هذه الأزمة لا يمر فقط عبر معالجة أسباب النقص الظرفي، بل يستدعي اعتماد مقاربة تقوم على الشفافية والتخطيط الاستباقي، وربط المسؤولية بالمحاسبة. فاستمرار الغموض لا يهدد استقرار السوق فحسب، بل يمس أيضاً بثقة المستهلك في قدرة المنظومة على ضمان الحد الأدنى من الاستقرار في مادة أصبحت أساسية بالنسبة لآلاف المواطنين والمهنيين .
