المساء نيوز – نورالدين فخاري
في سياق سياسي يتسم بكثير من الترقب وقليل من اليقين، تبرز أزمة الثقة كعنوان عريض يطبع علاقة المواطن المغربي بالأحزاب السياسية مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية المقبلة. مشهد يختزل سنوات من التراكمات، حيث لم تعد المسألة مرتبطة فقط ببرامج انتخابية أو تنافس حزبي، بل بسؤال أعمق يمس جوهر الفعل السياسي: هل ما تزال الأحزاب قادرة على إقناع المواطن بجدوى المشاركة؟
لقد وجدت الأحزاب نفسها، تدريجيًا، في مفترق طرق حقيقي. فمن جهة، تفرض التحولات الاجتماعية والاقتصادية خطابًا جديدًا يستجيب لانتظارات متزايدة التعقيد، ومن جهة أخرى ما يزال جزء من الممارسة السياسية أسير أنماط تقليدية لم تعد قادرة على التفاعل مع وعي سياسي متغير، أكثر نقدًا وأقل قابلية للتصديق.
وتبدو أزمة الخطاب واضحة في تكرار الشعارات وغياب الجرأة في طرح البدائل، غير أن الإشكال لا يقف عند حدود اللغة السياسية فحسب، بل يتجاوزها إلى سؤال المشروع. فالمواطن اليوم لم يعد يبحث عن وعود انتخابية عابرة، بل عن رؤية متكاملة قابلة للتنفيذ، تستند إلى تشخيص دقيق للواقع وتقدم حلولًا ملموسة لقضايا الشغل والتعليم والصحة والتنمية المحلية. وهو ما يجعل الفجوة تتسع أكثر بين ما يُقال في الحملات الانتخابية وما ينتظره المواطن على أرض الواقع.
في المقابل، يعكس تنامي العزوف الانتخابي حالة من البرود في العلاقة بين الناخب وصناديق الاقتراع، حيث لم تعد الانتخابات، لدى فئات واسعة من المجتمع، لحظة حاسمة للتغيير كما كانت تُصوَّر، بل محطة عابرة لا تحمل بالضرورة أفقًا مختلفًا. هذا التحول يضع الفعل الحزبي أمام اختبار مزدوج: استعادة الثقة من جهة، وإعادة تعريف دوره داخل المجتمع من جهة أخرى.
ومع ذلك، لا يبدو الأفق مغلقًا بالكامل. فإمكانية استعادة الثقة تظل قائمة، لكنها مشروطة بقدرة الأحزاب على إجراء مراجعة عميقة لخطابها، وتجديد نخبها، والانفتاح على قضايا المواطن الحقيقية بعيدًا عن الحسابات الضيقة والتجاذبات الظرفية. فالرِّهان اليوم لم يعد فقط على كسب الانتخابات، بل على إعادة الاعتبار للعمل السياسي كآلية للتأطير والمشاركة وصناعة القرار.
في نهاية المطاف، يبقى السؤال معلقًا: هل تعود الأحزاب إلى المواطن، أم يستمر العزوف كخيار صامت يعكس فقدان الأمل؟
الجواب لن تحسمه الشعارات، بل الممارسة. ولن يكتبه الخطاب السياسي، بل ما يُترجم منه فعليًا على أرض الواقع .
