المساء نيوز – عبدالله ضريبية/ جهة مراكش اسفي
في مجتمعات تسعى إلى بناء دولة الحق والقانون، يفترض أن تشكل المؤسسات رافعة للعدالة وضامنة للكرامة الإنسانية. غير أن الواقع يكشف، في كثير من الأحيان، عن اختلالات عميقة تجعل من الظلم منظومة قائمة بذاتها، تقوم على أربعة أعمدة مترابطة: مسؤول بلا ضمير، قانون يجنح لحماية الأقوياء، شعب يعاني من ضعف الوعي، وإعلام يتحول من سلطة رقابية إلى أداة لتوجيه العقول.
أول هذه الأعمدة، المسؤول بلا ضمير، الذي يفترض فيه أن يكون خادماً للصالح العام، فإذا به ينزلق نحو استغلال السلطة لتحقيق مصالح ضيقة. حين يغيب الضمير المهني وتضعف آليات المحاسبة، تتحول المسؤولية إلى امتياز، ويصبح النفوذ وسيلة للالتفاف على القانون بدل تطبيقه. في هذه الحالة، لا يعود المواطن شريكاً في التنمية، بل ضحية لقرارات تُتخذ بعيداً عن أي اعتبار للعدالة أو الإنصاف.
أما العمود الثاني، قانون يحمي الأقوياء، فيبرز حين يتم تأويل النصوص القانونية أو توظيفها بشكل انتقائي يخدم فئة معينة على حساب أخرى. فالقانون، الذي يفترض أن يكون أسمى تعبير عن المساواة، يفقد جوهره عندما يصبح أداة بيد من يمتلكون النفوذ والمال. وهنا تتسع الفجوة بين النص والتطبيق، ويتحول القضاء في نظر البعض من ملاذ للإنصاف إلى ساحة غير متكافئة.
العمود الثالث، شعب بلا وعي كافٍ بحقوقه وواجباته، يشكل حلقة حاسمة في هذه المنظومة. فضعف الوعي القانوني والسياسي يجعل فئات واسعة من المجتمع عرضة للتضليل، وغير قادرة على مساءلة المسؤولين أو المطالبة بحقوقها بفعالية. إن غياب ثقافة المواطنة الفاعلة يساهم، بشكل غير مباشر، في ترسيخ مظاهر الظلم واستمرارها.
ويبقى العمود الرابع، إعلام يغسل العقول بدل أن ينيرها، أحد أخطر عناصر المعادلة. فالإعلام، حين يتخلى عن دوره في نقل الحقيقة وكشف الاختلالات، ويتحول إلى أداة للدعاية أو التوجيه، يسهم في إعادة تشكيل وعي جماعي مشوه، يبرر الواقع بدل مساءلته. وهنا يفقد الرأي العام بوصلته، ويصبح من الصعب التمييز بين الحقيقة والتضليل.
إن تداخل هذه الأعمدة الأربعة يخلق بيئة خصبة لتكريس الظلم، حيث يعزز كل عنصر الآخر في حلقة مفرغة يصعب كسرها. غير أن الخروج من هذه الدائرة ليس مستحيلاً، بل يمر عبر ترسيخ مبادئ الحكامة الجيدة، وتعزيز استقلالية القضاء، ونشر الوعي المجتمعي، وضمان إعلام حر ومسؤول.
في نهاية المطاف، تبقى العدالة مسؤولية جماعية، لا يمكن تحقيقها إلا بتكامل الأدوار بين مؤسسات قوية، ومواطن واعٍ، وإعلام نزيه. فحين تنهار هذه الأعمدة، يسقط معها ميزان الإنصاف، لكن حين تُصلح، يصبح العدل ممكناً، بل وواقعاً ملموساً.
