إدريس أحميد /صحفي وباحث في الشأن السياسي المغاربي والدولي
تصاعد التوترات حول مضيق هرمز يعكس أزمة تتجاوز حدود البحر والمال، لتصل إلى جوهر التجارة والاقتصاد العالمي. مع تعدد الأهداف في الخليج والعراق وإسرائيل، يظل التركيز على مضيق هرمز، المرتبط استراتيجيًا بجزيرة خرج ومرور التجارة والبضائع الحيوية، كنقطة ضغط رئيسية في الحرب على إيران.
هذا المقال اجتهاد تحليلي لمجريات الأحداث، يربط المضيق بأبعاد الحروب الحديثة متعددة الأوجه: الاقتصادية، البحرية، الجغرافية، والفكرية، ويقدم رؤية حول البدائل لتقليل المخاطر، مع إبراز أهمية القوة الاقتصادية والسياسات الذكية بدل التصعيد العسكري المباشر.
أهمية المضيق والخيارات العسكرية
يمر عبر مضيق هرمز نحو 20٪ من التجارة البحرية العالمية للسلع الحيوية. أي تهديد لحركة السفن يهدد الأسواق الدولية مباشرة، ويجعل من تأمين المضيق أولوية استراتيجية. السيطرة على المضيق تمثل حربًا على الممرات الحيوية للتجارة والاقتصاد، وتحاول الأطراف المختلفة فرض النفوذ لتحقيق أهداف استراتيجية وسياسية.
إرسال قوات برية للسيطرة على جزيرة خرج يحتاج تخطيطًا دقيقًا مسبقًا ويواجه:
الدفاعات الإيرانية المكثفة، صواريخ مضادة للسفن، وقوة رد سريعة.
تعقيدات لوجستية كبيرة في النقل والإمداد بعيدًا عن القواعد.
مخاطر الاستنزاف العسكري والسياسي والاقتصادي.
البداية كانت على شكل هجمات جوية محدودة واستهداف قيادات استراتيجية لاختبار القدرة على الحسم، لكن أي هجوم برّي يظل مغامرة بين النجاح والفشل، خصوصًا مع طبيعة ترامب المعروفة بعدم قبوله للفشل، ما يزيد تعقيد القرار العسكري.
تسأل: ماذا لو فشل الهجوم الأمريكي أو اختارت محاصرة المضيق؟
أي محاولة أمريكية للسيطرة على مضيق هرمز أو جزيرة خرج تواجه مغامرة بين النجاح والفشل، مع تداعيات كبيرة على التجارة والاقتصاد العالمي. إذا فشل الهجوم أو اختارت واشنطن محاصرة المضيق بدل الدخول المباشر، فإن الدول المستوردة ستضطر إلى الاعتماد على خطوط بديلة، ما يزيد التكلفة ويضغط على الأسواق.
بالإضافة إلى ذلك، حشد حلفاء أوروبيين لأي تدخل عسكري مباشر يبدو صعبًا، بسبب الخوف من الخسائر المباشرة وتأثير ذلك على الاقتصاد والسياسة، فضلاً عن التردد الأمريكي من الفشل رغم إرادة ترامب المعروفة بعدم قبول الهزيمة. بالتالي، تبرز الحاجة إلى الضغط الاقتصادي والدبلوماسي والسياسات الذكية لتأمين مصالح الدول والشعوب.
البدائل الاقتصادية والدبلوماسية
تنويع مسارات النقل التجاري لتقليل الاعتماد على المضيق.
الحوار الإقليمي والدبلوماسي لضمان حرية الملاحة والتجارة.
رفع الاحتياطيات الاستراتيجية لمواجهة أي توقف مؤقت في الحركة التجارية.
تنويع مصادر التجارة والتمويل لتخفيف الضغط على المضيق.
تنوع الحروب الحديثة
الحروب اليوم لم تعد مقتصرة على القصف والدمار، بل أصبحت متعددة الأبعاد:
حروب السيطرة على الممرات: مضيق هرمز نموذج حي.
الحروب الاقتصادية والتجارية: التنافس على الأسواق والموارد الحيوية.
حروب المياه: النزاعات حول الموارد المائية الاستراتيجية.
الحروب الجغرافية: السيطرة على الأراضي والمناطق الحيوية.
حروب الفضاء: الأقمار الصناعية وأنظمة الملاحة والمراقبة.
الحروب المعلوماتية: الهجمات السيبرانية والحرب الإعلامية لتوجيه الرأي العام.
كل هذه الحروب مترابطة وتشكل تحديًا عالميًا جديدًا، حيث تتشابك السياسة مع الاقتصاد والأمن.
خاتمة: القوة الاقتصادية بدل الحرب
الحروب المباشرة تحمل تكلفة بشرية ومادية كارثية وتنعكس سلبًا على الاقتصاد والسياسة واستقرار الدول. الحكمة الاستراتيجية تقول إنه من الأفضل العودة إلى المنافسة الاقتصادية وحروب المعاملة بالمثل لتحقيق المصالح، لأن التجارة والاقتصاد مصالح لا صديق دائم لها ولا عدو دائم.
اعتماد هذا النهج يحافظ على صحة الشعوب واستقرارها ويحد من التداعيات الكارثية للحروب التقليدية أو الحديثة. القوة الحقيقية اليوم هي القدرة على التأثير بدون تدمير، والسيطرة على الموارد والممرات الحيوية بذكاء استراتيجي، مع الاعتماد على الاقتصاد والتنافس كوسائل دائمة للنفوذ.
