تشكل العلاقات المغربية مع بلدان إفريقيا جنوب الصحراء امتدادا تاريخيا وحضاريا عميقا، تعزز عبر قرون من التبادل التجاري والروحي والثقافي. فمنذ العصور الوسيطة، أسهمت الروابط الدينية التي جسدتها الزوايا والطرق الصوفية، إلى جانب القوافل التجارية العابرة للصحراء، في ترسيخ حضور المغرب داخل عمقه الإفريقي. وفي العقود الأخيرة، تعزز هذا البعد التاريخي بمقاربة جديدة تقوم على الشراكة الاقتصادية، والتعاون التنموي، وتبادل الخبرات، في إطار رؤية ملكية تجعل من إفريقيا أولوية استراتيجية.
وقد تعمقت هذه الدينامية مع عودة المغرب إلى الاتحاد الإفريقي سنة 2017، بما كرس توجها واضحا نحو بناء تعاون جنوب–جنوب قائم على المصالح المتبادلة والتنمية المشتركة. وفي هذا السياق، برزت الدبلوماسية المائية كأحد أوجه الحضور المغربي المتجدد في القارة، خاصة في ظل التحديات غير المسبوقة المرتبطة بندرة الموارد المائية.
إذ تعاني بلدان إفريقيا جنوب الصحراء من ضغط متزايد على مواردها المائية بفعل التغيرات المناخية، وتوالي سنوات الجفاف، وتسارع النمو الديمغرافي، وضعف البنيات التحتية. وأضحى الماء اليوم محددارئيسيا للأمن الإنساني والغذائي، وعنصرا مؤثرا في الاستقرار السياسي والاجتماعي. وبالتالي، تحول تدبير الماء إلى رهان استراتيجي تتقاطع فيه اعتبارات التنمية والسلم والأمن القاريين. ومن هنا تبلورت أهمية الدبلوماسية المائية كأداة لتقاسم الحلول وتعزيز التضامن الإقليمي.
التجربة المغربية: من سياسة السدود إلى الابتكار المائي
راكم المغرب تجربة وازنة في مجال تدبير الموارد المائية، انطلقت مع سياسة السدود التي أرسى أسسها الملك الراحل الحسن الثاني، والتي مكنت من تعبئة الموارد وضمان الأمن المائي لعقود. وتواصل هذا المسار عبر استراتيجيات أكثر تكاملا في عهد محمد السادس، شملت تطوير محطات تحلية مياه البحر، ومعالجة المياه العادمة والنفايات السائلة وتوسيع استخدام الطاقات المتجددة والطاقات البديلة في إنتاج وتعبئة الماء، وإطلاق مشاريع كبرى لنقل المياه بين الأحواض خاصة من أحواض الشمال إلى أحواض الوسط والجنوب (كما هو الحال بالنسبة للربط بين حوض سبو وأبي رقراق) في إطار ما يعرف بالطرق السيارة المائية، إضافة إلى تعميم تقنيات الري الموضعي واقتصاد المائ الفلاحي.
كما تم إدماج البعد المائي في السياسات المناخية، خاصة في إطار الدينامية التي أطلقها مؤتمر الأطراف COP22 بمراكش، والذي شكل محطة مفصلية في تعزيز حضور القضايا الإفريقية ضمن الأجندة المناخية العالمية.هذه التجربة الوطنية لم تبق حبيسة الداخل، بل تحولت إلى رصيد دبلوماسي يوظف في خدمة الشراكات الإفريقية وخاصة مع بلدان إفريقيا جنوب الصحراء.
وانطلاقا من رؤية تضامنية، انخرط المغرب في إبرام اتفاقيات تعاون مع عدد من دول إفريقيا جنوب الصحراء في مجالات الماء والتطهير والإدارة المتكاملة للموارد المائية. كما ساهم في دعم مبادرات قارية من قبيل لجنة مناخ حوض الكونغو والصندوق الأزرق لحوض الكونغو، إدراكا لأهمية الأحواض المائية المشتركة في تحقيق الأمن المائي الإقليمي . كما لا يقتصر هذا التعاون على البعد المؤسساتي، بل يشمل نقل التكنولوجيا وبناء القدرات، خاصة في ما يتعلق بتحلية المياه، وتثمين الموارد غير التقليدية، وتحسين النجاعة المائية، وهي مجالات تكتسي أهمية متزايدة في ظل تفاقم آثار التغير المناخي.
الأمن المائي والأمن الغذائي: ترابط استراتيجي
يبرز البعد الفلاحي كأحد أهم محاور الدبلوماسية المائية المغربية. فقد شكلت تجربة المغرب في تحديث أنظمة الري وتحسين مردودية المياه الموجهة إلى القطاع الفلاحينموذجا يحتذى به بل وقابلا للتقاسم مع بلدان الساحل وغرب إفريقيا، التي تعاني من هشاشة غذائية متفاقمة.حيث إن عقلنة تدبير مياه الري لا ينعكس فقط على الإنتاج الفلاحي، بل يسهم أيضا في تقليص الهجرة القروية، والحد من الفقر، وتعزيز الاستقرار الاجتماعي. ومن ثم، فإن الاستثمار في الماء هو استثمار في السلموالامن والاستقرار بالقارة الافريقية وخاصة ببلدان إفريقيا جنوب الصحراء
الديبلوماسية المائية المغربية رافعة للاستقرار
تؤكد العديد من المؤشرات أن المناطق الأكثر هشاشة مائيا في إفريقيا تتقاطع غالبا مع بؤر التوتر وعدم الاستقرار. لذلك، فإن ضمان الولوج المنصف والمستدام إلى الماء يشكل ركيزة أساسية لبناء مجتمعات قادرة على الصمود. وبالتالي يمكن للدبلوماسية المائية المغربية أن تضطلع بدور محوري من خلال دعم آليات الحكامة المشتركة للأحواض العابرة للحدود، تشجيع الحوار الإقليمي حول الأمن المائي، إدماج قضايا الماء ضمن أولويات السياسات الإفريقية، ثم كذلك تطوير مشاريع مشتركة قائمة على التمويل المبتكر والشراكة بين القطاعين العام والخاص.
إن تحول الديبلوماسية المائية المغربية مع بلدان إفريقيا جنوب الصحراء من منطق المساعدة التقنية إلى منطق الإنتاج المشترك للحلول يمثل التحدي الحقيقي في المرحلة المقبلة. فالقارة الإفريقية، بما تزخر به من موارد طبيعية وبشرية، مؤهلة لتكون فاعلا موحدا في مواجهة التحديات المناخية، شرط تعزيز التكامل والتنسيق بين دولها.
ضمن هذا الأفق، تندرج الدبلوماسية المائية المغربية كخيار استراتيجي يعكس وعيا بأن أمن المغرب المائي والغذائي مرتبط بأمن محيطه الإفريقي، وأن التنمية المشتركة هي السبيل الأنجع لمواجهة الهشاشة. وبالتالي لا بد من تعاون ديبلوماسي ينبني على مقاربة تجعل من الماء أداة للتعاون والتضامن بدلا من التنافس-السلبي (إذا صح التعبير)، ومن التعاون بديلا عن الصراع، ومن التضامن أساسا لبناء مستقبل إفريقي أكثر أمنا استقرارا وأرضية للتنمية الترابية بالقارة.
