المساء نيوز – نورالدين فخاري
يحتفل الشعب المغربي ومعه الأسرة الملكية الكريمة بالذكرى الخمسين للمسيرة الخضراء المظفرة، الحدث الوطني الخالد الذي غيّر وجه التاريخ، وقدم نموذجاً فريداً في التحرر السلمي واسترجاع الحقوق بالشرعية والإجماع. كانت المسيرة ثورة من نوع خاص، جمعت بين الإيمان والذكاء السياسي، وأعادت الصحراء إلى حضن الوطن في مشهد حضاري غير مسبوق.
منذ عام 1975، أثبت المغرب أنه ليس دولة عابرة في الجغرافيا، بل دولة-حضارة تمتد جذورها في التاريخ وتستشرف المستقبل بثقة. فقد استطاع الملك الراحل الحسن الثاني، رحمه الله، أن يجعل من المسيرة الخضراء فعلاً تحررياً بعمق حضاري، أنهى عهد الكولونيالية بالصحراء، وأعاد كتابة التاريخ بوسائل السلم والوحدة الوطنية.
وخلال نصف قرن من الزمن، واصل المغرب بقيادة جلالة الملك محمد السادس نفس المسار بثبات واستباقية، حيث تحولت معركة الدفاع عن الوحدة الترابية إلى معركة دبلوماسية استراتيجية، عنوانها المبادرة بدل رد الفعل، والحزم المقرون بالحكمة. فجاء مشروع الحكم الذاتي سنة 2007 كحلّ واقعي ومتقدم، مكن المغرب من استعادة زمام المبادرة وكسب اعترافات دولية وازنة، أبرزها الأمريكية والإسبانية والفرنسية.
في خطابه التاريخي يوم 11 أكتوبر 2024، رسم جلالة الملك ملامح مرحلة جديدة عنوانها الدبلوماسية الموازية، التي تقوم على تعبئة كل الطاقات الوطنية من مؤسسات وأحزاب ونخب مدنية، للترافع عن مغربية الصحراء بالحجج القانونية والتاريخية والسياسية.
ويُدرك المغرب أن التأثير في الساحة الدولية لم يعد حكراً على الدبلوماسية الرسمية، بل بات يشمل جماعات الضغط، ومراكز الفكر، والإعلام، والمنظمات غير الحكومية. لذلك أصبح من الضروري بناء شراكات فاعلة مع المجتمع المدني الأمريكي، بما يخدم قضايا المغرب العادلة ويعزز حضوره في دوائر القرار والنقاش العالمي.
اليوم، وبعد خمسين عاماً على المسيرة الخضراء، يؤكد المغرب أنه لا يزال وفياً لروحها الأولى: روح السلم والوحدة والإصرار على السيادة. وكما كانت المسيرة ملحمة لاسترجاع الأرض، فإن الدبلوماسية الموازية تمثل مسيرة جديدة لبناء التأثير وترسيخ المكانة.
لقد انتصر المغرب في معركة التاريخ، وهو اليوم يصنع انتصاره في معركة المستقبل.
