لقد تحقق النصر الذي انتظره المغاربة طويلاً، نصرٌ لم يأتِ صدفةً، بل كان ثمرة رؤية ملكية حكيمة ودورٍ محوريٍ للمؤسسة الملكية التي قادت المسار بكل وعيٍ وبُعد نظر. فقد أحسن جلالة الملك محمد السادس توظيف شبكة العلاقات الدولية للمغرب بحنكة، فحشد الدعم والاحترام لمشروعية القضية الوطنية، وأثبت أن الحكمة الدبلوماسية أقوى من صخب الشعارات. ومنذ ستينيات القرن الماضي، لم يتوقف المغرب عن العمل، فكان الاستقرار في التعاطي مع الملف عنواناً لسياسة ثابتة لا تعرف الارتجال، قائمة على التخطيط والمراكمة والتدرج. أما الإصرار التاريخي للدولة المغربية، فكان الوقود الذي حفظ القضية حيّة في وجدان الأجيال، رغم كل محاولات التشويش.
لقد آمن المغاربة دومًا بعدالة ملف الصحراء، لأنها قضية شرعية وتاريخية وثقافية، مدعومة بالبيعة الشرعية والولاء المتجذر للعرش العلوي. وبرزت عبقرية المغرب في الإبداع السياسي عبر مبادرات مفصلية: المسيرة الخضراء التي أعادت الأرض بالسلام، ثم الحزام الأمني الذي حمى الإنسان والتراب، فالاستفتاء الذي كان المغرب أول من دعا إليه بروح ديمقراطية ومسؤولة، لكنه لم يُنفذ بسبب خروقات جبهة البوليساريو، التي استقدمت آلاف الأشخاص غير الصحراويين من شمال مالي وموريتانيا وجنوب الجزائر لتضخيم اللوائح وتزييف الهوية الصحراوية الحقيقية. وقد أسقطت تلك المناورات مصداقية الخيار، فاختار المغرب بدلًا عنها مشروع الحكم الذاتي، الذي جمع بين السيادة والانفتاح، وأثبت أنه الحل الواقعي والعادل والدائم للنزاع.
هذا الإبداع المتواصل جسّد ثقة المغرب بنفسه وقدرته على إيجاد حلول واقعية ومتقدمة. أما الإصرار والمتابعة، فقد شكلا جوهر النجاح، إذ لم يعرف المغرب الكلل في الدفاع عن وحدته الترابية داخل المؤسسات الدولية، محتكمًا إلى المنطق والقانون. وكان النَّفَس الطويل عنوان مدرسة مغربية فريدة تؤمن أن القضايا العادلة تُكسب بالثبات لا بالتهور.
في هذا السياق، تميز المغرب بـ مهنيةٍ عاليةٍ وحرفيةٍ دقيقة في إدارة الملف، حيث لم يُترك مجال للفوضى أو الارتجال، بل كانت هناك جهة واحدة مكلفة بالملف، تعمل بتوجيه ملكي وتنسيق مؤسساتي صارم. وبرز إخلاص الصحراويين الوحدويين الذين جسدوا الانتماء الحقيقي للوطن في الميدان، مؤكدين أن الصحراء لم تكن يوماً عبئاً على المغرب، بل أحد أعمدته الراسخة. كما لعبت مؤسسة الشيوخ والوجهاء والقبائل الصحراوية دوراً محورياً في تثبيت البيعة التاريخية وتجديد الولاء للعرش، وكان صوتهم في المحافل الدولية دليلاً على وحدة الدم والانتماء. لقد شكلت القبائل الصحراوية صمام أمان اجتماعي وشرعي، ومصدر شرعية ميدانية لقضية المغرب العادلة.
ولأن الديبلوماسية الرسمية المغربية كانت مرآة لذكاء الدولة وثباتها، فقد واجهت الخصوم بالحجة لا بالصخب، مدعومةً بـ الديبلوماسية الموازية من مثقفين وبرلمانيين وفاعلين مدنيين حملوا صوت المغرب إلى كل المنتديات. وساهم الإجماع الوطني في تقوية الموقف المغربي، إذ توحّد الشعب والأحزاب والنخب خلف قضية واحدة لا تقبل المزايدة. أما التنمية المستدامة، فكانت البرهان الملموس على أن المغرب لا يدافع عن أرض فقط، بل يبني إنسانها أيضًا. استخدم الترغيب والترهيب بحكمة، فاحتضن من عاد إلى الوطن وواجه من اختار الانفصال بالقانون، وجعل من المخطوطات والوثائق التاريخية أدلة دامغة على مغربية الصحراء.
وعلى الميدان، ترجم المغرب أقواله أفعالاً من خلال تعمير المنطقة وتشييد البنى التحتية الكبرى، وإطلاق مشاريع وفرص الشغل والتوظيف لأبناء الأقاليم الجنوبية. احترم عادات وتقاليد وطقوس المنطقة، ما جعل الانتماء شعوراً أصيلاً لا مفروضاً، وشجع أبناء الصحراء على الاستثمار والمبادرة الاقتصادية في وطنهم. كما حظيت المرأة الصحراوية بمكانة متميزة، إذ أُتيحت لها فرص الريادة في التنمية المحلية وصناعة القرار. وتجلت عبقرية المغرب كذلك في بناء الإنسان والأرض معاً، ليبقى الوطن قوياً بأبنائه قبل مؤسساته.
وفي الجانب الأمني، برزت المؤسسة العسكرية المغربية كركيزة للسيادة والانضباط، تمتاز بعقيدة واضحة عنوانها “الوطن فوق كل اعتبار”. خاضت معاركها بحرفية عالية وهزمت الاعداء على الميدان، مثبتة أن الشرعية حين تمتزج بالقوة تصنع السلام الحقيقي. وهكذا، وبعد خمسين سنة من العمل الجاد والمهنية والإخلاص، حصد المغرب ثمرة صبره في انتصار تاريخي مستحق. إن المغاربة اليوم يعيشون فرحة النصر والكرامة، بينما تجر الجزائر وراءها هزيمة صنعتها الأوهام والتردد وسوء التقدير.
نعم، المغرب انتصر لأنه استحقّ الانتصار.
الدكتور: عبدالقادر الحافظ بريهما
