بقلم: عبدالحق الريكي
إمزورن، الخميس 09/10/2025
يبدو مقارنة المغرب بفرنسا، للوهلة الأولى، تمرينًا غير منطقي. الناتج المحلي الإجمالي، البنية التحتية، القوة الدولية — كل شيء يفصل بين هاتين الدولتين. فرنسا، العملاق الاقتصادي والسياسي، والمغرب، بلد ناشئ لا يزال يحمل ندوب الاستعمار، يبدو أنهما ينتميان إلى عوالم مختلفة. ومع ذلك… هناك نقطة تقارب مقلقة تجمعهما: الفوضى.
في فرنسا، يُقرأ الاضطراب في الشوارع، في التظاهرات، وفي النقاشات الحماسية في الجمعية الوطنية. المعارضة، القوية والمنظمة، تفرض صوتها، تسائل، تهدد، وتعارض. الدستور يوفر أدوات، حتى ولو كانت غير محتملة، مثل عزل الرئيس. الشعب ليس صامتًا؛ إنه يتصرف ويعبر عن غضبه ومطالبة بالعدالة الاجتماعية.
في المغرب، المشهد مختلف تمامًا. المعارضة السياسية ضعيفة، متجزئة، وغالبًا ما تقتصر على همسات. الأحزاب والمنتخبون لا يمكنهم منافسة القوة الرمزية والمؤسسية للملكية. هنا، الفوضى لا تظهر من خلال مظاهرات جماهيرية أو مناقشات برلمانية حادة، بل تتكمن في الإحباط الصامت، احتجاج الشباب، وانتظار بادرة من السلطة توجه البلاد.
إذاً، المغرب وفرنسا يشتركان في اضطراب كامن، لكن إدارة هذه الفوضى مختلفة جذريًا. ففي حين تجد فرنسا منفذًا مؤسسيًا وشعبيًا، يتركز كل السلطة في المغرب في يد الملك. اليوم، الملك وحده يمكنه التدخل، التهدئة أو إعادة البناء. والسؤال المحوري: في أي اتجاه؟ نحو الجمود أم نحو النهضة؟
الشعب المغربي، الصامت لكنه يقظ، ينتظر. الموعد محدد: خطاب الملك يوم الجمعة 10 سبتمبر. يترقب الجميع كلماته، إيماءاته، ووعوده. فخلف الكلمات، قد يكون هذا الخطاب إشارة: دعوة للأمل، للمسؤولية، لفصل جديد في تاريخ المغرب.
خطاب الملك — بين السلطة والأمل
يعيش المغرب لحظة حاسمة. الصمت السياسي ليس فارغًا أبدًا: فهو مليء بالإحباطات، الغضب المكبوت، والتطلعات. وفي هذا الفراغ، هناك فاعل واحد يمتلك القدرة على التحرك، التوجيه، وإعادة نبض الأمة: الملك. الموعد محدد يوم الجمعة 10 سبتمبر، لحظة سيراقبها الجميع، متأملين كلماته.
منذ دستور 2011، يحتفظ الملك المغربي بدور محوري، أكثر من مجرد رمز. فهو يترأس مجلس الوزراء، يعين المسؤولين العسكريين والأمنيين، يجسد وحدة الأمة، ويمكنه حل البرلمان. سلطته ليست مطلقة، لكنها تبقى محور الاستقرار والعمل السياسي. وفي هذا الإطار، أمامه عدة خيارات: الدعوة إلى إصلاحات جريئة، اقتراح إعادة تشكيل الحكومة، إطلاق الحوار الوطني، أو توجيه رسالة قوية للشباب والشعب.
هذا الخطاب ليس مجرد تقليد. إنه فعل سياسي ورمزي. الشعب ينتظر كلمات توقظ الأمل، وتجسد العدالة والمسؤولية. في بلد تكون فيه المعارضة ضعيفة ومتفرقة، يمكن لكلمات الملك أن تصبح محركًا لتغيير حقيقي. يمكنها الإلهام، التحفيز، وحتى منع الفوضى الكامنة التي تتربص في الظل.
لكن تاريخ المغرب يوضح أن الصمت أمام الغضب قد يكون خطرًا. الشعب لا ينتظر وعودًا فارغة، بل علامات ملموسة لإعادة البناء، العدالة الاجتماعية، والاعتراف التطلعات المشروعة. خطاب 10 سبتمبر سيكون مرآة: يعكس قدرة المملكة على الاستماع، التحرك، وتوجيه مستقبل مواطنيها.
في هذه اللحظة المعلقة، قد يختار المغرب النهضة أو الجمود. الأمل، هش لكنه قوي، يعتمد على كلمات قليلة تُلقى من العرش. فلتكن هذه الكلمات نورًا وقوة يحتاجها الشعب ليؤمن بالغد مرة أخرى.
بقلم : عبدالحق الريكي
إمزورن، الخميس 09/10/2025
الشبل أصبح أسدا
الجزء الثاني والاخير (تتمة مقالي السابق : احمد الزفزافي : مسار سياسي لا ينكر وإرث باق في الذاكرة)
فوجئت قوات الشرطة بحجم الحشد الشعبي، وظنّت أنها قادرة على احتواء تلك الحماسة كما يُطفأ لهب القش. لم يكونوا يتوقعون ذلك.
لكن في ذلك اليوم، في الحسيمة — موطن الإقامة — وأجدير — موطن الدفن على بُعد سبعة كيلومترات تقريبًا —، لم يكن لهبًا عابرًا، بل كان حريقًا هائلًا يشتعل في السماء.
كما في سنة 2016، لم يكن هناك ما يمكن أن يوقف اندفاع شعبٍ واقفٍ على قدميه.
صحيح أن الأجهزة الأمنية كانت تملك ملفًا عن عزي أحمد الزفزافي، الأب،
لكنها لم تكن تملك شيئًا عن ناصر، الابن.
لا شيء سوى تلك الطاقة المتقدة، والإيمان الراسخ الذي لا تقيسه التقارير ولا الملفات.
عندها لجؤوا إلى الأسلوب القديم: زرع الفتنة.
فرّقوا الوجوه، وبثّوا الشك، وصنعوا الخصومات داخل الحراك.
لكن البذرة التي أرادوا تمزيقها كانت قد ترسخت عميقًا في الأرض.
وحين رأوا الوحدة تصمد، أطلقوا العنان للقمع.
حلّت العصا محل الحوار، واحتلّت القيود مكان الوعود.
في الرباط، كان صدى صرخات الحسيمة لا يزال يتردد.
كثير من القادة الثانويين، وقد شعروا بالخناق يضيق، اضطروا إلى مغادرة أرضهم (الحسيمة) : بعضهم اتجه نحو أوروبا، وآخرون تفرّقوا في مدنٍ مغربيةٍ أخرى.
لكن في الذاكرة الجماعية، بقيت صورة واحدة شامخة، فخورة، لا تُقهر:
ناصر الزفزافي.
في ذلك اليوم، في مقبرة أجدير، حُسمت الأمور.
أرادت الشرطة أن تأخذه في صمت، كما تُنتزع حجارة من جدار.
لكن الشعب انتفض.
أحاطت الجموع بالمكان، تهتف باسمه، تطالب بإطلاق سراحه.
لم تُسجّل الكاميرات الرسمية شيئًا: لا صور، فقط شهود، وأصوات، وارتعاشةٌ لا تزال تسكن الحكايات حتى اليوم.
في ذلك اليوم، وُلد الأسد من الشبل.
مرّت السنوات، لكن الزئير لم يخمد.
خلف الجدران، خلف الصمت، يواصل اسم ناصر الزفزافي سريانه،
كنَفَسٍ لا يمكن خنقه في كل المغرب.
ظنّوا أنهم سجنوا رجلًا،
لكنهم أطلقوا فكرة.
لأن الأمل لا يُسجن.
في قرى الريف، في أحياء الدار البيضاء، في شوارع الرباط، لا يزال الهمس قائماً:
«كرامة، عدالة، حرية.»
كلمات بسيطة، لكنها ثقيلة بالوعد.
لم يعد الحراك مجرد حركة، بل ذاكرة جماعية، نجمة تهدي الذين يرفضون أن يُطأطئوا رؤوسهم.
ناصر، أسد الريف، ليس أسطورة ولا شهيدًا،
بل رمز لشعبٍ، رغم الألم والمحن، لا يزال يؤمن بأن مغربًا آخر ممكن.
مغربًا شامخًا، أخويًا، إنسانيًا.
وفي كل نظرةٍ تضيء، وفي كل صوتٍ يرتفع بلا خوف،
يسكن شيءٌ من ذلك الشبل الذي صار أسدًا.
هناك صدى وعدٍ لا يموت:
ما دامت هناك قلوب تنبض بإيقاع العدالة،
فلن يخبو زئير الريف أبدًا.