المساء نيوز – نورالدين أعابد
في زمن تتعالى فيه أصوات المواطنين شاكين من الاكتظاظ، طول الانتظار، غياب الأدوية، وتراجع الثقة في الخدمات الصحية العمومية، يطفو على السطح مقترح مثير للجدل: تولي الجيش مهمة تسيير المستشفيات الجهوية.
قد يبدو الأمر للبعض حلاً سحريًا؛ فالجيش مؤسسة معروفة بالانضباط والدقة والنجاعة. تجربة المستشفيات العسكرية، سواء خلال جائحة كوفيد أو في حالات الكوارث الطبيعية، أثبتت قدرة استثنائية على التنظيم والتعبئة السريعة. من هنا، يتخيل المواطن أن دخول الجيش على الخط قد يعني نهاية الفوضى، تقليص الرشوة، وضمان معاملة صارمة لكن عادلة للمرضى.
لكن، هل يكفي أن نغير اليافطة من “مستشفى جهوي” إلى “مستشفى تحت إشراف الجيش” حتى تنتهي الأزمة؟
المعارضون للفكرة يرون أن الأمر قد يشكل عسكرة للقطاع الصحي، وأن المستشفى ليس ثكنة عسكرية، بل فضاء مدني يتطلب مرونة، إنصاتًا، وحسًا اجتماعيًا. فالطبيب والممرض والموظف لهم خصوصيات مهنية وإنسانية قد لا تنسجم دائمًا مع القوانين العسكرية الصارمة. ثم إن الأزمات البنيوية التي تنهش الصحة العمومية – من نقص الموارد البشرية والتمويل إلى هشاشة البنية التحتية – لا يمكن أن يحلها مجرد تغيير في قبعة المسير.
الحقيقة أن هذا المقترح يكشف شيئًا أعمق: فقدان الثقة في قدرة المؤسسات المدنية على إدارة قطاع حساس مثل الصحة. حين يطالب المواطن بأن يسلم الجيش زمام المستشفيات، فهو في الواقع يصرخ: “لقد تعبنا من العبث، نريد من ينقذ ما تبقى”.
الحل قد لا يكون في استبدال المدني بالعسكري، بل في بناء شراكة تكاملية: تظل المستشفيات في إطارها المدني، مع الاستفادة من خبرة الجيش في التنظيم واللوجستيك والأمن عند الحاجة، دون أن يتحول ذلك إلى بديل دائم عن الإصلاح.
فالمستشفى في النهاية ليس فقط جدرانًا وأجهزة، بل هو مرآة لكرامة المواطن. والجيش، مهما بلغت كفاءته، لن يكون بديلاً عن إرادة سياسية جادة لإصلاح المنظومة الصحية من الجذور.
