المساء نيوز- أبو محمد إلياس
تشهد إسرائيل منذ أسابيع حالة غير مسبوقة من الغليان الداخلي، حيث خرجت موجات متصاعدة من الاحتجاجات الشعبية لتكشف عن عمق الهوة بين شرائح واسعة من المجتمع والحكومة اليمينية المتطرفة برئاسة بنيامين نتنياهو. صحيفة نيويورك تايمز الأمريكية نقلت عن خبراء إسرائيليين أن تراجع شعبية نتنياهو في استطلاعات الرأي دفعه إلى الارتهان أكثر لدعم حلفائه من أقصى اليمين، الذين يرفضون أي نقاش حول وقف الحرب، وهو ما يزيد من تفاقم الأزمة السياسية الداخلية ويعمّق عزلة إسرائيل على الساحة الدولية.
وفي موازاة ذلك، هزّ العالم خبر اغتيال صحافيي قناة الجزيرة في غزة، في جريمة اعتبرتها منظمات حقوقية وصحافية استهدافاً مباشراً لحرية الإعلام. الكاتبة البريطانية نسرين مالك، في مقال نشرته الغارديان، أكدت أن ما تسعى إليه إسرائيل ليس فقط إسكات أصوات ناقدة، بل طمس الصورة الحقيقية لمعاناة المدنيين الفلسطينيين تحت القصف والحصار، وهو ما يطرح تساؤلات حادة حول احترام إسرائيل لحرية الصحافة والحق في نقل الحقيقة من مناطق النزاع.
هذا التوازي بين احتجاجات الداخل الإسرائيلي وجرائم الحرب في غزة يكشف تناقضاً صارخاً: حكومة متطرفة تواجه غضباً داخلياً متنامياً، وفي الوقت نفسه تمارس أبشع الانتهاكات بحق المدنيين والصحافيين في خرق سافر للقانون الدولي الإنساني.
إن استهداف الصحافيين لا يمثل فقط جريمة ضد أفراد، بل اعتداءً على الحق الجماعي في الوصول إلى المعلومة، كما نصّت على ذلك المواثيق الدولية، وعلى رأسها المادة 19 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان. وبالمثل، فإن قمع الأصوات المعارضة داخلياً وتوظيف خطاب التخويف من “الخطر الخارجي” يعكس مأزقاً سياسياً لحكومة نتنياهو التي تبدو عاجزة عن إقناع الرأي العام بجدوى استمرار الحرب.
المشهد الراهن إذن يبرز أن الصراع لم يعد مقتصراً على الجبهات العسكرية، بل أصبح معركة على الشرعية السياسية والرواية الإعلامية: شرعية تتآكل داخلياً بفعل الاحتجاجات، ورواية رسمية تحاول طمس الحقيقة الفلسطينية لكنها تصطدم بمقاومة إعلامية وحقوقية عالمية متنامية.
